كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


إعتماد الرميكية!

  • د. منعم حدّاد

في الأندلس، في إسبانيا استقرّ العرب بعد أن وصلوها من الصحارى والبوادي، استظلّوا بوارف الظلال، واستقوا ما شاؤوا، واستمتعوا بالورد والرياحين، وتحققت أمانيهم وأحلامهم في العيش بين الماء والخضراء، وفي بلد يعتبر ويصحّ أن يغنى له وديع الصافي: "جنّات عَ مدّ النظر!" بلد ماء وخضراء ووجه حسن... ويكمل الشعر سحره!

وبنو عبّاد أول ملوك الطوائف في الأندلس "كانوا هم أنفسهم شعراء، وكان بلاطهم منتدى الأدب في عصرهم، فهذا المعتضد يجعل يوماً من أيام الأسبوع – الإثنين – للشعراء يفدون به عليه فيطارحهم الشعر ويستمع إليهم ويجيز السابق بينهم ويشحذ هممهم للنظم، وجاء المعتمد فبزّ أباه في هذا المضمار..."
ومن أهمّ أنماط الزواج في الحضارة العربية كان زواج الأكفاء، فالمجتمع مقسم قسمة واضحة جلية إلى طبقات اجتماعية مختلفة، ويبحث كلّ فرد عن شريك/ة حياته بين أبناء وبنات طبقته الاجتماعية نفسها على الغالب، وقلّما نجد التزاوج بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، ويذكر العلامة أنيس فريحة مثلاً أنه في أيامه عاد مغتربون من المهجر إلى لبنان وهو يحملون ملايين الدولارات، وراحوا يبحثون عن زوجات لهم، وكلما تقدموا لطلب يد "بنت حسب ونسب" حمل أجدادها ألقاباً فخرية جادت بها عليهم السلطنة العثمانية لم يكن أهلها يسألون عن الوضع المادي للعريس، أو عن المؤهلات العلمية أو عن الصفات والأخلاق الحميدة، رغم أنهم "على الحديدة"، وإنما عن الأصل والفصل والحسب والنسب، فيتركهم الخطاب إلى غير رجعة...
* * *
وتخرج جارية فقيرة ذات يوم إلى أحد الأنهار الأندلسية لتغسل بمياهه ثيابها وثياب أهلها أو مولاها، ويصادف أن يمرّ الملك المعتمد بن عبّاد في ذلك المكان تلك اللحظة، وكان معه وزيره ابن عمّار، ولم يكن أيّ منهما يحفل باعتماد الرميكية أو بغيرها من النسوة الغاسلات الملابس على ضفة النهر، ونظر المعتمد إلى النهر فرأى الريح قد زردت مياه النهر (أي داعبتها فجعلتها تبدو كالزرد)، فقال ابن عباد في ما رأى:

صَنَعَ الريحُ من الماء زَرَدْ!
وقال لوزيره:
أجز يا ابن عمّار!
  • لكن ابن عمار لم يُجِز ولم يكمل صدر البيت، فقالت "امرأة من الغسالات":
أيُّ دِرْعٍ لِقِتَالٍ لَوْ جَمَدْ!
فتعجب المعتمد لسرعة بديهتها وإجادتها الشعر، ونظر إليها فأُعجب بجمالها ورقّتها، فسألها إذا كانت ذات زوج، ولما علم أنها ليس كذلك، تزوّجها وولدت له أولاده الملوك النجباء، وكسرت اعتماد بذلك ما درج عليه الناس من زواج الاكفاء، وشبّت عن الطوق، فهي جارية غاسلة تزوجت ملكاً رغم الفوارق الطبقية بينهما وقبل أكثر من ألف سنة!
* * *
ورأت اعتماد الملكة ذات يوم الناس يمشون في الطين، فتذكّرت ما مضى، و"حنّت" إلى المشي بالطين، فأمر المعتمد، فسحقت الطيوب وذُرّت في ساحة القصر، وصُبّ ماء الورد على أخلاط الطيب، وعجنت بالأيدي كما يعجن العجين، وأصبحت كالطين، وخاضت اعتماد في الطين هي وبناتها ومن معها من الجواري.
وغضبت اعتماد يوماً من المعتمد، فأقسمت انها لم ترَ منه خيراً قط، فقال لها: ولا يوم الطين؟ فخجلت واعتذرت...
* * *
ودار الدهر دورته، وأطيح بالمعتمد عن العرش، و"عزيز القوم ذلّ"، وتقدّم جنود ابن تاشفين لتضع القيود في أيدي اللك المعتمد بن عبّاد، ملك إشبيلية، ولتحمله السفن هو وأسرته، بما فيها اعتماد الرميكية، وتسير في نهر "الوادي الكبير"، لتنقلهم إلى السجن في "أغمات"، ويحتشد الناس على ضفتي النهر الذي التقى اعتماد على ضفته، ويذرفون الدموع في وداعه، فهو ملكهم الذي أحبّوه، وشاعرهم الذي تغنّوا بشعره، ووصف هذه المشاهد المؤثرة أكثر من شاعر أندلسي، فقال أحدهم:

تبكي السماء بدمع رائحٍ غادي على البهاليل من أبناء عبّاد
ويقول في القصيدة نفسها أيضاً:
نسيتُ إلا غداة النهر كونهم في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا من لؤلؤ طافيات فوق أزباد
حُطّ القناع فلم تُستر مخدّرة ومزِّقت أوجه تمزيق أبراد
حان الوداع فضجّت كلّ صارخة وصارخ من مفدّاة ومن فادي
سارت سفائنهم والنوح يتبعها كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمعٍ وكم حملت تلك القطائع من قطعات اكباد!
* * *
وبعد أن أُسِر وسجن في "أغمات"، وجاءت بنات هذا "الشاعر الباكي" يزرنه، وهنّ ذليلات في أطمار بالية، ليهنّئنه بأول عيد يمرّ عليه وهو في السجن، فأنشد المعتمد:

فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهنّ حسيراتٍ مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةً كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
وندب حظه وسوء طاعه فقال:
اقنع بحظك في دنياك ما كانا وعزِّ نفسك إن فارقت أوطانا
  • وأيضاً:
أنباء أسرك قد طبّقن آفاقا بل قد عممْن جهات الأرض إقلاقا!
ولما مات سجيناً أسيراً غريباً طريداً عزيزاً قد ذلّ رثاه شعراء كثيرون، منهم القائل:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور
  • والقائل:
ملك الملوك أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور فلم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد
قبّلتُ في هذا الثرى لك خاضعاً وتخذتُ قبرك موضع الإنشاد!

أما اعتماد فلم يذكر التاريخ شيئا ًآخر، وطواها فيمن طواهم، بعد أن خلّدها بسبب عجز بيت من الشعر أجازته، وبحنينها إلى الطين الذي على ضفة النهر...