كنوز نت - بقلم : سيمون عيلوطي


الحلقة السابعة من سلسلة بليغ النغم

  • بـليــــــغ النَّــغـــــــم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي

الفنيَّة والانسانيَّة (7)

  • سيمون عيلوطي

الشيخ سيّد النّقشبندي: بليغ ده جن

صاحب موشَّح "مولاي"، الشّيخ سيِّد النَّقشبندي، يُعدُّ واحدًا من أهمِّ مُنشدي التَّواشيح الدِّينيَّة في مصر، وفي والوطن العربيّ بلا منازع، يتمتَّع بقدرات صوتيّة واسعة، تصل حسب تعريف الطَّبقات الصوتيَّة، إلى أعلى من أعلى طبقة صوتيَّة، وتُسمَّى جواب الجَّواب، والصوت البشري عادة عندما يصل لهذه الطبقة العالية، يصبح حادًا، ويفقد عذوبته، إلَّا أنَّ النَّقشبندي يحافظ في جميع الطَّبقات على عذوبة صوته وتمكِّنه من المقامات بشكل مدهش. كما أنَّه يستطيع أن ينزل بصوته إلى أندنى من أدنى درجة في السلَّم الموسيقي، ويعرَّف بقرار القرار.

وهو بالإضافة إلى ما في صوته من خشوع، وتأمُّل نادرين، فإنَّه يضع المستمع إلى ابتهالاته بين يديّ الخالق، ويُبقيه هكذا... وهو في حالة من السَّكينة والاطمئنان.

استطاع النَّقشبندي أن يُكسِبَ لموشّحاته انتشارًا واسعًا في محافظة سوهاج الواقعة في جنوب مصر، وهي المحافظة التي نشأ وترعرع فيها، وشهدت بدايته مع الإنشاد، ثمّ وسَّع من بقعة انتشاره حين انتقل إلى محافظة طنطا النَّاشطة بحركة المنشدين الصوفيّين آنذاك، حيث تابع نشاطه، وأثبت حضوره المتميِّز في أداء التَّواشيح، ما أهَّله أن ينتقل إلى القاهرة ليواصل فيها تقديم الابتهالات التي أخذت تجمع في دائرتها مختلف فئات المجتمع، وأطيافه المتعدِّدة، في مشهد يعزِّز النَّسيج الاجتماعيّ، والوطنيّ، ويوثِّق روابط الانتماء.

بعد ذلك طلبته الإذاعة المصريَّة ليصبح منشدًا معتمدًا، واستمرَّ يقيم السَّهرات الدينيَّة في مختلف المناسبات.

أشهر تواشيح النَّقشبندي "مولاي"، 1972، لحَّنه بليغ حمدي بناء على طلب الرَّئيس المصري محمَّد أنور السَّادات. وقد حدث ذلك حين دعا أنور السَّادات النَّقشبندي إلى حفل خطوبة إحدى كريماته، لكي يُسمع الحضور تواشيحه الدّينيَّة التي يحب السَّادات عادة أن يفتتح بها احتفالاته الخاصَّة، وكان من بين المدعوِّين للحفل، الفنَّان بليغ حمدي، ووجدي الحكيم، وهو إعلامي معروف، وأبرز أركان الإذاعة المصريَّة.

حول ذلك قال وجدي الحكيم في لقاء متلفز: إن السَّادات همس في أذن بليغ حمدي في ذلك الحفل: "أريد أن أسمعك مع النَّقشبندي"، وطلب منّي أن أفتح لهما استوديو الإذاعة لتسجيل عملهما المشترك، ويتابع: النَّقشبندي عرف عن بليغ أنَّه يحب السَّهرات وحفلات اللهو، لم يسبق أن شارك في عمل فنّي دينيّ من قبل، فكان مستغربًا أن يطلب منه السَّادات هذا الطَّلب. حين عرف بليغ ما قاله النَّقشبندي عنه، ردَّ مؤكِّدًا: "سأقدّم له لحنًا يعيش مئة سنه.
وافق النَّقشبندي على استحياء أن يخوض التَّجربة مع بليغ حمدي الذي عُرف بأعماله الغنائيَّة، مقتنعًا إنَّ اللحن يفسد وقار الابتهالات، ويفقدها الخشوع، خاصَّة أنَّ النَّقشبندي اشتهر بإنشاده على المقامات الموسيقيَّة، دون ألحان. وقد حاول أن يتخلَّص من هذا "المأزق"، فقال للحكيم: "أيه يا وجدي عايزني آخر الزَّمن أغنّي على ألحان راقصة؟!

لإنقاذه من الموقف، اتَّفق الحكيم مع النّقشبندي على إشارة بينهما، مفادها: أن يجلس النَّقشبندي مع بليغ في استوديو الإذاعة ليسمع اللحن، ففي حال أعجبه، يخلع عمامته، وإن لم يعجبه فيبقي عليها، وبهذا الشَّكل يتخلَّص من الورطة التي وضعه فيها الرئيس السَّادات من جهة، ولا يُحرج الملحِّن من جهة ثانية.

 أثناء جلستهما دخل عليهما الحكيم، حسب الاتّفاق، ووجد أنَّ النَّقشبندي قد خلع العمامة وجبَّته التي يرتديها فوق القفطان. ففهم أن لحن بليغ قد أعجبه، وأراد النَّقشبندي أن يعبّر عن إعجابه باللحن بشكل كوميدي، فقال: بليغ ده جن.

يختتم الحكيم حديثه حول حكاية هذا الابتهال، قائلًا: انتهى بينهما اللقاء على أن يواصلا المضي في العمل لإنجاز ابتهالات أخرى.

باكورة النِّتاج المشترك بين شيخنا الجليل، سيد النَّقشبندي، وملحَّننا القدير، بليغ حمدي في ابتهال "مَوّلاي"، حقَّق نجاحًا كبيرًا، وانتشارًا واسعًا بين مختلف الأطياف المجتمعيَّة، ما شجعهما على مواصلة التَّعاون لإنتاج تواشيح أخرى تدعو للمحبَّة، والتَّسامح، وتعزيز الانتماء للإله الواحد، والوطن الواحد.

  •  مولاي: على الرابط التالي:


 https://www.youtube.com/watch?v=gZxFrHhMdIA

  • تجدر الإشارة إلى أنَّ مؤلّف الموشح هو: الشاعر عبد الفتّاح مصطفى.

مَوّلاي
مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..
مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟
أقُوم بالليّل والأسّحار سَاهيةٌ
أدّعُو و هَمّسُ دعائي.. بالدموع نَدى
بنُور وجهك إني عائد وجل..
ومن يعد بك لَن يَشّقى إلى الأبد..
مَهما لقيت من الدُنيا وعَارضها..
فَأنّتَ لي شغل عمّا يَرى جَسدي..
تَحّلو مرارة عيش رضاك..
ومَا أطيق سخطاَ على عيش من الرغد..
من لي سواك..؟ ومن سواك يرى قلبي؟
ويسمَعُه كُل الخلائق ظل في الصَمد..
أدّعوك يَاربّ فأغّفر ذلّتي كَرمًا..
وأجّعَل شفيع دعائي حُسن مُتَقدّي
وأنّظُر لحالي.. في خَوف وفي طَمع..
هَلّ يرحم العَبّد بعد الله من أحد؟
مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..
مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟