كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


هي المرأة: تنبوءات "تودّد" السنوية!

  • د. منعم حدّاد

وناظرت الجارية تودد التي أراد الرشيد أن يمتحنها كبار العلماء والأدباء والعرافين، وسبقت المتوقعين والمتنبئين المعاصرين بمئات السنين...ولا يقربها لا ليلى عبد اللطيف ولا ماغي فرح ولا مايك فغالي ولا سواهم من العرافين والمتوقعين والمتنبئين، ولا يدانونها...

فهي هي تناظر المتوقعين والمتنبئين في استطلاع الغيب وكنهه، فتتحدث عن سقوط المطر وسواه، وعن توقعاتها للسنوات الجديدة، فقالت إن السنة التي تبدأ بيوم الأحد يكون فيها "الجور من الملوك والسلاطين والولاة وكثرة الوخم وقلّة المطر وأن تكون الناس في هرج عظيم، وتكون الحبوب طيّبة إلا العدس، فإنه يعطب، ويفسد العنب ويغلو الكتّان، ويرخص القمح...ويكثر القتال بين الملوك ويكثر الخير في تلك السنة..."

أما السنة التي تبدأ بيوم الإثنين فيدل ذلك على "صلاح ولاة الأمور والعمال، وأن تكون السنة كثيرة الأمطار، وتكون الحبوب طيبة ويفسد بزر الكتّان ويرخص القمح...، ويكثر الطاعون ويموت نصف الدواب والضأن والماعز ويكثر العنب ويقلّ العسل ويرخص القطن..."

وابتداء السنة بيوم الثلاثاء يدل على "موت كبار الناس وكثرة الفناء واهراق الدماء والغلاء في الحبّ وقلّة الأمطار وأن يكون السمك قليلاً ويزيد في أيام وينقص في أيام، ويرخص العسل والعدس ويغلو بزر الكتان، في تلك السنة وفيها يفلح الشعير دون سائر الحبوب، ويكثر القتال بين الملوك ويكثر الموت بالدم، ويكثر موت الحمير ...!"

وابتداء السنة بيوم الأربعاء يدل على "هرج عظيم يقع في الناس وعلى كثرة العدو، وأن تكون الأمطار معتدلة وأن يفسد بعض الزرع وأن يكثر موت الدوابّ وموت الأطفال ويكثر القتل في البحر... وترخص بقية الحبوب، ويكثر الرعد والبرق ويغلو العسل ويكثر طلع النخل، ويكثر الكتّان والقطن، ويغلو الفجل والبصل...!"

وابتداء السنة بيوم الخميس يدل "على العدل في الوزراء والصلاح في القضاء والفقراء وأهل الدين، وأن يكون الخير كثيراً، وأن تكثر الأمطار والثمار والأشجار والحبوب ويرخص الكتّان والقطن والعسل والعنب ويكثر السمك..."

وابتداء السنة بيوم الجمعة يدل "على الجور في كبار الجنّ والتحدّث بالزور وأن يكثر الندى ويطيب الخريف في البلاد ويكون الرخص في بلاد ويكثر الفساد في البرّ والبحر ويغلو بزر الكتان ويغلو القمح في... ويرخص في ... ويغلو العسل ويفسد العنب والبطيخ..."

وابتداء السنة بيوم السبت يدل "على إيثار العبيد والروم ومن لا خير فيه ولا في قربه وأن يكون الغلاء والقحط كثيراً ويكون الغنم كثيراً ويكثر الموت في بني آدم والويل لأهل مصر والشام من جور السلطان وتقل البركة وتفسد الحبوب..."

* * *

وانتقلت المناظرة بعد ذلك إلى مواضيع أخرى وإلى مواجهة علماء آخرين، فحاورها المنجم عن النجوم والأجرام السماوية وأفحمته بإجاباتها، ولمّا سألته لم يحر جواباً واعترف بهزيمته أمامها!

وجاء بعده الفيلسوف، الذي ناقشها في العناصر الأربعة وغيرها من المسائل الفلسفية المعقدة، ولم يكن أمامه – في النهاية - بدّ من الاستسلام وإعلان فوزها عليه!

وحاورها بعده "النظّام" فلم يفلح في الانتصار عليها، واعترف هو الآخر بهزيمته وبتفوّقها عليه!
ثم لعبت الشطرنج مع "معلم" الشطرنج نفسه، ولا يكاد يباشر اللعب في كل مرة حتى تفاجئه بقولها "الشاه مات!" معلنة انتصارها عليه!

ولعبت مع لاعب النرد فغلبته هو الآخر وأرغمته على الاعتراف بتفوّقها، ثم أخذت العود وضربت عليه ضرباً جعل الرشيد يطرب ويقول لها: بارك الله فيك ورحم من علّمك!

ودفع الرشيد لمولاها مائة ألف دينار (وأين منها مليون جورج قرداحي!) ولبّى رجاءها عندما تمنّت عليه أن يعيدها لمولاها،(حفاظاً على العهد ووفاء للودّ، ولو شاءت لبقيت في قصر الرشيد وأصبحت سيدته الأولى، وهي على هذا القدر العظيم من الجمال والعلم والمعرفة!) وأمر أن تعطى خمسة آلاف دينار لنفسها، واتّخذ من مولاها نديماً له، وأمر له بألف دينار أخرى كل شهر!

أجل هذه كانت تودّد، الجارية التي يمكن اعتبارها موسوعة علمية عالمية كاملة!

ولا بدّ من التأكيد على اننا لو اختزلنا تسعة أعشار ما قيل عنها في "الليالي"، بسبب المبالغة في الرواية والرغبة في التشويق والإثارة، فسيبقى الكثير الكثير.

ويبقى سؤال لا يستطيع الردّ عليه أحد: كم تودّداً لدينا اليوم في عالمنا؟
كم شخصاً يعيش اليوم في عالمنا على شاكلة تودّد، خبير في كل علوم زماننا ومهاراته؟ هل هم أرباب جوائز نوبل؟ أم من؟
أجل، تودّد هي نموذج للجارية، بل للمرأة في أيام العباسيين، رغم أن ليس جميع النساء كنّ تودّداً.