كنوز نت - بقلم : سيمون عيلوطي


  • الحلقة السادسة من سلسلة بليغ النغم

بـليــــغ النَّــغـــــم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي | الفنيَّة والانسانيَّة (6)

  • سيمون عيلوطي

مجنون وردة

أستطيع أن أجزم أنَّ حُب بليغ حمدي لوردة الجَّزائريَّة، لم يكن حبًا عاديًا، بل تجاوزه إلى ذلك الحب الخُرافيّ الذي قرأنا عنه في الأساطير، فإذا كان روميو قد وقع في حب جولييت من أوَّل نظرة في الحفل التَّنكريَّ الذي ذهب إليه لمقابلة حبيبته روزالين، فوجد نفسه مغمورًا من رأسه إلى أخمص قدميه في هوى جولييت. آنذاك فقط أدرك أنَّ حبَّه لروزالين لم يكن حبًا حقيقيًا، إنَّما حبّة الحقيقيّ وجده في جولييت التي فتنته وسحرت جوارحه منذ اللفتة الأولى.
كذلك كان بليغ يعرف أنَّ حبّه لهذه الفتاة التي قابلها هنا، أو تلك صادفها هناك، لم يكن حبًا على الإطلاق، حبّه الحقيقيّ وجده في وردة الجزائريَّة التي شعر برعشة سحريَّة تسوي في عروقه وهو يُسلِّم عليها في اللقاء الأول، لينطبق عليه قول الشاعر أبو تمام:


(نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُـهُ الفَتـى وَحَنينُـهُ أَبَـدًا لِأَوَّلِ مَنـزِلِ)

  وإذا كان قيس ابن الملوح؛ قد عبَّر عن حبِّه لليلى شعرًا، ثمَّ هام على وجهه في الصَّحراء وهو في حالة من القنوط والهذيان، ينشد الشعِّر، فإنَّ بليغ حمدي عبَّر عن حبِّه لوردة لحنًا، ثمَّ دخل في حالة من "فوضى الحواس"، مع الاعتذار لأحلام مستغانمي. وضعه على شفا الضَّياع.

 عن هذا الحب (البليغيّ-الورديّ) أجمعت المصادر: أنَّ وردة عشقت الغناء منذ نعومة أظفارها، وكانت بين الحين والآخر تغنّي في مطعم والدها الكائن في باريس، حيث أقامت فيها مع عائلتها. وفي العام 1957، شاهدت أغنية "تخونوه"، في فيلم "الوسادة الخالية"، وهي من ألحان بليغ حمدي، غناء العندليب الأسمر، سحرها اللحن كثيرًا، وأحبَّت الملحِّن قبل أن تراه. وقد ذكَّرتي بقصيدة بشَّار بن برد التي يقول في مطلعها:

(يا قَوم أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا)

بسبب لحن تلك الأغنية، شاهدت وردة الفيلم مرة ثانية وثالثة، وقالت: صاحب اللحن ده هأتزوجه، ولكي تقترب منه، حضرت من باريس إلى لبنان، القريبة من مصر إلى حدٍّ ما، حيث تقيم عائلة والدتها اللبنانية الأصل، وقد سجلت لراديو دمشق في حينه عدَّة أغنيات، لم تنجح كثيرًا، ولكنها عرَّفتها على الأوساط الفنيَّة العربيَّة، ممَّا ساعد على دعوتها لمصر، وقد قرَّرت أن تلتقي بصاحب لحن تخونوه، فتمَّ لها ذلك، وقد بدا في هذا اللقاء انجذابهما وكأنَّهما مكمِّلان لبعضهما البعض.


يقول بليغ عن اللقاء الأول بحسب وجدي الحكيم، الذي كان شاهدًا على ولادة حبَّهِما، بصفته صديق بليغ الحميم، والمسؤول عن البرامج الفنيَّة في الإذاعة المصريَّة، يقول نقلًا عن بليغ: "أنا عمري في حياتي ما اهتززت لعاطفة امرأة إلَّا لمَّا شوفت وردة أوَّل مرَّة وأنا بسِّلم عليها"، وقد عُقِدَ هذا اللقاء ليُسمعها لحنًا ألَّفه خصِّيصًا لها، وهو: "بحبك فوق ما تصوَّر".


لم تتوقَّف اللقاءات بين الملحِّن والمطربة حتَّى بعد تسجيل الأغنية... تطوَّرت حكاية حبّهما، فقرَّر بليغ أن يتقدَّم لخطبها من عائلتها الجزائريَّة التي انتقلت للعيش في القاهرة، وعندما تأكَّد من موافقتها، صحب معه صديقه، وجدي الحكيم لزيارة أهلها للتَّقدُّم بطلب يدها رسميًا كما تقتضي العادات والتَّقاليد في الوطن العربيّ، فوقع ما لم يكن متوقَّعًا، رفض والدها استقباله، ومنعه شقيقها حميدو من دخول البيت، رافعًا في وجهه عصًا، وهدَّده بأن لا يعود إلى بيتهم مرة أخرى، وكانت حجة الأهل أن ابنتهم لن تتزوَّج من الوسط الفنيّ.

الناقد طارق الشِّناوي وصف الموقف بأنه "غريب، إذ كيف لأسرة تعمل ابنتهم في الوسط الفنيَّ أن يمنعوا زواجها من ملحِّن من المجال نفسه".
ما حدث جعل الموسيقار يشعر بالإحباط. ورغم ذلك، ظلّاَ يلتقيان في سهرات عمل شبة يوميَّة، تعود وردة بعدها إلى بيتها، تتسلًّق بهدوء شرفتها في الدَّور الأوَّل كي لا يشعر أهل البيت بقدومها.

 حول ذلك كتبت الإعلاميَّة روان مسعد في "شبكة الوطن" تقريرًا صحافيًا جاء فيه: "رغم حرص الثُّنائي على جعل قصَّة حبَّهما في طيِّ الكتمان، علم شقيقها مسعود بتلك العلاقة، ولكنَّه لم يخبر أسرتها خشية افتضاح أمرها والإكثار من الأقاويل والمشاكل، لذا قرَّرت أسرتها أن تغادر مصر إلى الجَّزائر كي تقتل تلك القصَّة، وذهبت معهم وردة بالفعل إلى الجَّزائر وكانت أولى زياراتها لبلدها الأم عام 1962".

 وبحسب نفس المصدر: "كان بليغ حمدي ووجدي الحكيم بانتظارها لتوديعها في المطار قبل المغادرة للجَّزائر، ولإقناع الأسرة بالعدول عن السَّفر، غير أنَّ والدها أصرَّ على موقفه، وأخبرهما عن عزمه تزويج وردة من أحد الأقارب في بلدها، وهو ما حدث بالفعل، فقد تزوَّجت من ضابط جزائريّ وأنجبت منه وداد ورياض وابتعدت تمامًا عن الفنِّ".

الملحِّن العاشق بعد غياب حبيبته، هام في شوارع القاهرة ومقاهيها يبحث عن حب في امرأة أخرى، لعلها تعوضه عن وردة. توهَّم أنه عثر على مبتغاه في حبِّه لابنة الموسيقار محمَّد عبد الوهَّاب، الملقَّبة باسم "إش إش"، كما كان يدلِّعها، فذهب بمرافقة شقيقة الدُّكتور مرسي سعد الدِّين حمدي لطلب يدها من والدها، (وهناك مصادر أخرى تقول: إنَّ الذي صاحبه في هذه الزيارة هو صديقه وجدي الحكيم، حيث تحدَّثا مع والد العروس، عبد الوهَّاب في مختلف الشؤون الفنيَّة دون أن ينبسا بكلمة واحدة عن موضوع سبب الزيارة. وعلى هذا النَّحو بقيت المسكينة "إش إش" التي أحبَّت بليغ حبًا صادقًا تنتظر حضوره لخطبتها، ولكن عبثًا. بليغ لم يحضر، وهي أصيبت بمرض عضال لم يمهلها طويلًا.

 (يتبع)