كنوز نت - بقلم : د. منعم حدادد


هي المرأة: ألجارية تودّد = دائرة معارف عالمية!

  • د. منعم حدادد

عند سماع كلمة "جارية" سرعان ما تتبادر إلى الذهن صور أسواق النخاسة والنخّاسين الذين يبيعون الجواري والإماء، ويتاجرون بهن، وتقفز إلى الخيال صور تجارة الرقيق الأبيض التي ما زالت مستشرية كالداء الخبيث في عالمنا العصري المتحضر، وما عانته وتعانيه المرأة من ظلم وحيف وإجحاف دون أن يحفل بها وبمعاناتها أحد.

ولا تكاد تتفوّق إحداهن وتبرز في مجال ما من مجالات الحياة حتى يأخذ المقرّبون يقيمون القيامة حولها ولا يقعدونها، فها هي محامية أو طبيبة أو محاضرة جامعية أو..أو...، ربما لأننا اعتدنا – جهلاً وتجنيّاً - على النظر إلى المرأة نظرة ازدراء لا تفيها حقّها ولا تحلّها المكانة المرموقة التي تستحقّها.
ولو تفحصّنا تخصصات أصحاب الشهادات الجامعية العليا، رجالاً كانوا أم نساء، لوجدنا أن الأكثرية الساحقة منهم، وباستثناء العدد القليل منهم، لم تتخصّص إلا في مجال واحد ضيّق فقط، وتخصّصها لا يتعدى هذا المجال.

وعلى ضوء هذه الصورة القاتمة تبرز عظمة تودّد، الجارية التي يمكن اعتبارها وبكل بساطة دائرة معارف عصرية، تكاد تفوق– في عصرها - الموسوعة البريطانية المعاصرة في أيامنا هذه، حيث جمعت في ذاكرتها كل علوم الدنيا ومهاراتها التي كانت معروفة في آنذاك.
* * *
ولقد أفرد مؤلف الصيغة الأخيرة من "ألف ليلة وليلة" قصص الليالي الكثيرة (ثمانٍ وعشرين ليلة: من الليلة السادسة والعشرين بعد الأربعمائة حتى الليلة الثالثة والخمسين بعد الأربعمائة) التي روتها شهرزاد للملك شهريار عن تودّد هذه، قبل أن يدركها الصباح وتسكت عن الكلام المباح في نهاية كلّ ليلة.
والليالي كما يعرف الجميع مشهورة بالمبالغة والحشو والإضافات التي أضيفت للتشويق والإثارة، ولكن حتى لو شطبنا الكثير من هذه "الليالي" لبقي الكثير أيضاً!
* * *
والحكاية حكاية تاجر بغدادي غني جداً، رزقه الله ولداً بعد زمن طويل، فربّاه "كل شبر بنذر"، ودلّله الدلال كلّه، ولما توفي التاجر أورث لولده أموالاً عظيمة لا أول لها ولا آخر، واجتمع إلى هذا التاجر الشابَ رفاق سوء أشرار، فأغروه بحياة اللهو والعبث والمجون، وما هي إلا فترة قصيرة حتى "أعلن إفلاسه" و"ظلّ على الحصيرة"، لا يملك ما يسدّ به أوده ويقيم رمقه.

ولم يبق له غير وصيفة خلفها له والده، كانت "ليس لها نظير في الحسن والجمال والبهاء والكمال والقدّ والاعتدال، وهي ذات فنون وآداب وفضائل تستطاب قد فاقت أهل عصرها وأوانها، وصارت أشهر من نار على علم في افتتانها وزادت على الملاح بالعلم والعمل والتثني والميل مع كونها خماسية القدّ مقارنة للسعد بجبينين كأنهما هلال شعبان وحاجبين أزجين، وعيون كعيون غزلان وأنف كخد الحسام وخدّ كأنه شقائق النعمان، وفم كخاتم سليمان، وأسنان كأنها عقود الجمان، وسرّة تسع أوقية دهن بان، وخصر أنحل مِن جسم مَن أضناه الهوى وأسقمه الكتمان، وردف أثقل من الكثبان، وبالجملة فهي في الحسن والجمال ... تسلب من يراها بحسن جمالها وبريق ابتسامتها وترميه بعيونها من نبل سهامها وهي مع كذا فصيحة الكلام حسنة النظام".
إنها، وباختصار: ملكة جمال العالم بأسره، أو MISS UNIVERSE ذلك الزمان، ويعجز المرء عن وصفها...

ولما أدركت ما حلّ بسيدها طلبت إليه أن يحملها إلى الخليفة هارون الرشيد، وأن يبيعها له بعشرة آلاف دينار، وليمتحنها إذا استغلاها، لأنها ليس لها نظير، وبذلك تكون قد أنقذت سيدها من الإفلاس، ودخلت قصر الخليفة وهو بمثابة باريس ولندن ولافيغاس ونيويورك وهوليوود ذلك العصر، والتي ما زال الناس يتحدثون حتى اليوم بما كان يدور فيها ولأصبحت سيدة قصور بغداد، كما يبدو لأول وهلة...
وإزاء إصرارها لم يكن للتاجر المفلس بدّ من حملها إلى الخليفة الرشيد.
* * *
عندما يحصل البعض على الشهادة الجامعية الأولى، يبدأ يقول لنفسه:" يا أرض اشتدي، ما عليك حدا قدّي!" وإذا ما حصل على الشهادة الثانية يزداد غروراً، أما إذا حصل على الثالثة، فالويل للعالم من هذا الأكاديمي، رغم أن تخصصه لا يكاد يشكل نقطة ليست بذات شأن في محيط المعرفة اللامتناهي...
أما تودّد الجارية فلما سألها الخليفة عمّا تحسنه من العلوم قالت إنها تعرف ما يلي:

النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة، و... فنّ الموسيقى وعلم الفرائض والحساب والقسمة والمساحة وأساطير الأولين، و...القرآن العظيم وقد قرأته "بالسبع العشر وبالأربع عشرة"، وتعرف عدد سوره وآياته واحزابه وانصافه وأرباعه وأثمانه وأعشاره وسجداته وعدد أحرفه ... وما فيه من الناسخ والمنسوخ والمدنية والمكّيّة، وأسباب التنزيل... والحديث الشريف دراية ورواية المسند منه والمرسل... وعلوم الرياضة والهندسة والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق والمعاني والبيان، وعرفت كثيراً من العلم وتعلّقت بالشعر وضربت العود، وعرفت مواضع النغم فيه ومواقع حركات أوتاره وسكناته، فإن غنّت ورقصت فتنت وإن تزينت وتطيّبت قتلت" وهذا أدهش الرشيد وقرّر أن يمتحنها...

وهذه العلوم والفنون هي كل العلوم والفنون التي كان معروفة في تلك الأيام، وهي تجيد –بالإضافة إليها- مهارة العزف على العود والرقص.
وأين لي بكل أكاديميي العالم المعاصرين ليثبتوا معرفة كمعرفة الجارية تودّد؟
* * *
وليس الرشيد بقليل شأن ليصدّق ما تقوله الجارية، وليس بالخليفة الظالم، فقال لمولاها: "إني أحضر مَن يناظرها في جميع ما ادّعته، فإن أجابت دفعت لك ثمنها وزيادة، وإن لم تجب فأنت أولى بها"، وهذا الإختبار الذي سيضعها الرشيد أمامه سيثبت بالدليل القاطع إن كانت حقّاً كما تدّعي وتزعم، أم انه مجرّد ادّعاء باطل وزعم كاذب.
وأمر الخليفة فاستُقدم ابراهيم بن سيار "وكان ابراهيم أعظم أهل زمانه في الحجّة والبلاغة والشعر والمنطق"، ومعه حشد من القراء والعلماء والأطباء والمنجمين والحكماء والمهندسين والفلاسفة ليناظروا تودّد...

وتتحدّى تودد هذا الجمع الغفير من العلماء وتبادر أولّهم قائلة: "إسأل ما شئت!"، وتجري المناظرة على نحو يسألها فيه صاحب الشأن ما رغب وشاء من الأسئلة، فتردّ عليها بإجابات أفضل مما كان يتوقع الجميع، وفي نهاية المناظرة توجّه له سؤالاً، فيعجز عن الردّ عليه، وتغرمه حينها بأخذ ثيابه منه...
أما المواضيع التي جرت المناظرة فيها فهي شاملة ومنوّعة، حيث سألها المناظر الأول عن الفرائض والسنن، "ومن ربك ومن نبيك ومن أمامك وما قبلتك وأخوانك وما طريقك وما منهاجك"، وربما عرفت الله، ضمّت الفرائض والسنن، والعقل الموهوب والعقل المكتسب، والله والنبي، وشعائر الإيمان، والصلاة، والصوم، والحج والجهاد، وأصول الاسلام،...

وبعد المناظرة في علم الأديان ابتدأت في علم الأبدان...وناظرت الطبيب في خلق الانسان وجسده وحواسه وعظامه وطباعه وأرواحه، وأطرافه، وعروقه، وعلامات المرض والعافية، والمعدة بيت الداء، والأطعمة و"الرجيم"، والجماع، والخمر والحجامة...
وناظرها بعد ذلك المنجم، في الشمس والقمر، والنجوم، والمنازل والبروج...