كنوز نت - بقلم : سيمون عيلوطي


الحلقة الرابعة من سلسلة بليغ النغم

  • بليـــغ النَّغــم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والانسانيَّة(4)


  • بقلم : سيمون عيلوطي

أخذ عليَّ أحد الأصدقاء، وهو من هواة الغناء والعزف على العود، بأنني مصريّ الهوى، أهتمُّ كثيرًا بالفنَّانين المصريين، خاصة بليغ حمدي، وقال: كان الأجدر بك أن تكتب عن الغناء الفلسطينيّ، وأنا أتساءل، ما هو سبب كل هذه اللهفة التي تبديها للغريب، ولا أراك تهتمُّ بمن هم حولك من الفنَّانين والمطربين؟

قلت له: أرى أنَّ سؤالك ينقسم إلى شقَّين، عن الأول أقول: أنا لا أنظر إلى الفنَّانين المصريين، أو غيرهم من الفنَّانين العرب على أنَّهم غرباء، بل أخوة أحبَّاء. أما عن الشّق الثاني من السُّؤال، أقول: لقد خصّصتُ كتابًا كاملًا حول الغناء الفلسطينيّ، صدر قبل سنة بعنوان: جئتكم أغنِّي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، من تُرشِّح من الملحِّنين الفلسطينيين لأكتب عنه، شرط أن يكون ترشيحك لهذا لمُلحِّن أو ذاك، بقامة بليغ حمدي، وأنا من جهتي أعدك بأنني حين تدلّني عليه، سأكتب عن أعماله مجلَّدات.
قال: لا أعرف... قلت: سأتابع الكتابة عن بليغ إلى حين تعرف...
أتابع: (توقَّفتُ في الحلقة السَّابقة عند الخلاف الذي وقع بين الثنائيّ بليغ ونجاة ولم يُحسم إلَّا بالقضاء)


حكاية هذا الخلاف يُلخِّصه الفنَّان سمير صبري، ضمن حلقات برنامج "ذكريات" الذي كان يُبثُّ عبر قناة TEN، يقول: "في عام 1972 اتَّفقت الفنَّانة نجاة مع الشَّاعر الغنائي محمَّد حمزة على كتابة أغنية جديدة لها، فقدَّم لها مذهب أغنية، وطلبت منه أن يكملها على أن يتولَّى بليغ حمدي تلحينها. في هذه الأثناء تلقَّى بليغ دعوة من حكومة الجُّمهوريّة الجَّزائريَّة لتقديم لحنه "من بعيد أدعوك يا أملي" الذي ستغنيه الفنَّانة وردة في عيد استقلال بلادها. كما كُلِّفَ أيضًا بالإشراف على البرنامج الفنيّ الذي يقام احتفاء بهذه المناسبة، وبعدها طلب بليغ من وردة العودة إلى الغناء، والرُّجوع إلى مصر بعد انقطاع دام عشرة أعوام"، ويتابع صبري: "حب بليغ لمعشوقته الأبدية وردة جعل مشاعره تطغى عليه، فأمسك بورقة وقلم وكتب: "وْعملت إيه فينا السِّنين/ فرَّقتنا لا، غرَّبتنا لا/ ولا دوِّبت فينا الحنين/ لا الزَّمان... ولا المكان/ قدرو يخلّو حبِّنا... ده يبقى كان".

ووفقًا لشبكة "سكاي روك"، "فإن بليغ قام بدندنة المقطع على العود بينما هما في بيت وردة" التي تأثَّرت كثيرًا وتَرَقْرَقَت الدُّموع من عينيها، ثمَّ قالت له: "حلوة أوي يا بليغ كمِّل"... فقال: "أنا كنت كاتب دول بس"، فردَّت: "لو كمَّلتها هأسمع كلامك وأرجع مصر أغنِّيها"، فأدمعت عيناه فرحًا ".
للتَّوضيح أقول: بليغ حمدي كثيرًا ما كان يكتب مطلع أغنياته بنفسه، ويُعدُّ مضمونها على قصاصة ورق، ثمَّ يكلِّف أحد الشُّعراء الَّذين يتعاون معهم لصياغتها، وفي هذا السِّياق، فإنَّ "الشَّاعر محمَّد حمزة أكمل كتابة الأغنية بأسلوب يناسب الفنَّانة وردة، ويعبِّر أيضًا عن حب بليغ الجامح لها، حيث جاءت الكلمات وكأنَّها بلسان الملحِّن العاشق نفسه.

"عند عودة وردة إلى مصر وجدت الأغنية، موضوع حديثنا، جاهزة، بعنوان: "العيون السُّود"، وقد استطاع بليغ حمدي أن يبدع لحنًا لكلماتها، جاء متناغمًا تمامًا مع صوت وردة الذي لمسنا عذوبته حين غنَّتها في أوَّل حفل أقيم لها في مصر بعد العودة، نهاية العام 1972".
"النَّجاح الكبير الذي لاقته الأغنية، دعا المخرج حلمي رفلة أن يستغل نجاحها، فيطلب من وردة أن تغنيها في أوَّل أفلامها "صوت الحب"، وهذا كان".
(رابط العيون السّود:)



 الفنانة نجاة الصغيرة عندما سمعت أغنية "العيون السود" بصوت وردة جُنَّ جنونها، فأقامت دعوى في المحاكم لإثبات حقِّها في الأغنية، وبحسب "الموجز-صحافة جيل جديد"، فإنَّ "نجاة ربحت القضيَّة، ومنعت بموجبها وردة من غناء هذه الأغنية مره أخرى على أرض مصر"، فحدثت قطيعة فنيَّة طويلة بين ألحان بليغ وصوت نجاة الصغيرة، وبعدها بمدَّة تمَّ التَّصالح بينهما إثر مكالمة من نجاة لبليغ، اتَّفقت معه عبرها على العودة مرَّة أخرى لألحانه، وهكذا أطلق سراح "العيون السُّود"، وغنَّتها وردة في حفلاتها داخل مصر، وخارجها بطبيعة الحال".


المستغرب هو: لماذا لم تفعل نجاة مع عبد الوهَّاب كما فعلت مع بليغ ووردة حين تعرَّضت لموقف مماثل مع موسيقار الأجيال، عبد الوهاب، وذلك عندما سحب منها أغنية "كل ده كان ليه" ليغنَّيها هو بنفسه في الإذاعة، وفي حفل أقيم له بمناسبة ذكرى انتصار ثورة يوليو سنة 1954، بحضور الرَّئيس الرَّاحل جمال عبد النَّاصر، وأعضاء مجلس قيادة الثَّورة، وقد تمَّ ذلك بعد أن قام بمنح نجاة هذه الأغنية، كأوَّل لحن من الأستاذ لتلميذته.

مطربتنا الشَّابة فرحت بالأغنية كثيرًا، واعتبرتها ركيزة انطلاق قيِّمة تثري بداية مشوارها الفنيّ، فقامت في العام 1954، بتسجيلها في اذاعتي مصر وسوريا، وكم حزنت عندما عرفت أنَّ صاحب اللحن، الموسيقار عبد الوهَّاب قام بسحبها منها، وأنَّه لم يعد بمقدورها أن تغنِّيها في حفلاتها المقبلة، لأنه يريد الاحتفاظ بها لنفسِه. أما هي: فلماذا بيقت صامتة، متسامحة مع صاحب "كل ده كان ليه"، وبشكل يتناقض تمامًا عمَّا بَدَرَ منها بحق بليغ ووردة؟!! عجبي!!

(رابط الأغنية بصوت نجاة الصغيرة)


(تنويه:)

سأخصص لاحقًا مقالة حول علاقة حب بليغ حمدي ووردة الجَّزائريَّة، لما فيها من تفاصيل مثيرة، أوحت لبليغ بالكثير من الألحان الخالدة.
(يتبع)