كنوز نت - بقلم " د. منعم حدّاد


الإبداع بين الوطن والغربة!



  • بقلم " د. منعم حدّاد
كثيرون جدّاً كتبوا ويكتبون عن مساويء الهجرة من الوطن وضرورة التعلق بالوطن والثبات فيه والتشبث حتى بترابه إلى حدّ العشق وربما العبادة ايضاً، فالوطن غال وأهم من الأهل والمال العيال، ولا يعدله شيء وأي إنسان بلا وطن يكون بلا هوية، وبلا كرامة وشرف وسؤدد، ضائعاً وضيعاً لا أصل له ولا فصل.
ونحن لسنا مع الهجرة ولا نؤيدها، لكننا قد نفهم المهاجر الذي يضطر أن يهاجر رغماً عنه عندما يقف أمام أمرين أحلاهما مرّ، كما قال أبو فراس: هما الهجرة – وهي أهون الضررين، أو البقاء في الوطن ومعاناة الفاقة والعوز والظلم والحيف والجور بل والاضطهاد والملاحقة والعنف إلى حد القتل والتشريد.

أي حبّ للوطن سيكون ساعتئذ؟ هل يطعم المعوز أطفاله تراباً من تراب الوطن؟ أم أوراقاً من أوراق شجر الوطن؟ أم يراهم أمام ناظريه يتضوّرون جوعاً؟ وأي أب يقوى على مشاهدة فلذات كبده إبان معاناتهم هذه؟
وماذا بوسعه أن يفعل عندما تهاجمه الوحوش البشرية وتفتك به وبأطفاله؟

ثمّ ألم يبلغ المهاجرون (اللبنانيون بشكل خاص) وسواهم أيضاً أعلى المراتب في دول الهجرة والاغتراب؟ ألم يتبوّأ بعضهم أعلى المراكز والمناصب في بلاد غربتهم؟ ألم يجمع بعض هؤلاء الثروات الهائلة في تلك البلاد؟ ألم يحصلوا على أعلى المناصب العلمية والسياسية والأدبية في بلاد غربتهم؟
وما يقال عن المغتربين = المهاجرين اللبنانيين يقال أيضاً عن كل الجاليات المغتربة من فلسطينية وسورية ومصرية وسواها، وإن كانت إنجازات بعضها لا تضاهي إنجازات المغتربين اللبنانيين.

وفي سياق التغني بالوطن وعشقه ومغازلته ومداعبته وعبادته يزعم البعض أنه لا يبرز أديب أو شاعر أو كاتب أو فنان إلا في الوطن وعلى ثرى الوطن الطهور والمقدس ويغرقون في الإشادة بذلك!
وقد يكون هذا لعمري تجنٍّ وبعد عن الحقائق والواقع!
فكم من الشعراء ومنذ الجاهلية كان يهاجر قاصداً الملك أو الأمير ليمدحه؟
وكم من العلماء هجر وطنه وقصد مراكز العلم والثقافة للتعلم والاستزادة؟
ولولا الهجرة هل كان سينشأ أدب الرحلات على ما فيه من كنوز؟؟؟

و"يستنجد" البعض بأسماء شعراء وكتاب وفنانين ومبدعين برزوا واشتهروا على تراب الوطن بعد أن استلهموه واستوحوه!
ولكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن غسان كنفاني مثلاً لم يبلغ ما بلغ إلا خارج الوطن، ومثله محمود درويش وغيرهما، وناجي العلي، وكذلك محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب، وجورجي زيدان والآلاف المؤلفة من المبدعين الآخرين، من مبدعي هذا الوطن، أو سواه، والذين أبدعوا إبداعاتهم خارجه!

ونحن لا نقول إن الوطن ليس الملهم الأول والمبدع الأول، لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن البعد عن الوطن والحنين إليه قد يكونان البلسم الشافي لجراح الغربة، والهاتف الداعي الذي يملأ خيال الشاعر والأديب والفنان بإيحاءاته وبما يقول، ويرفد ذهن الكاتب والمبدع والفنان بإبداعاتهم ويثري أفكارهم وخيالاتهم بما بسكبونه ذهباً وتبراً ويصهرونه في بوتقاتهم الماسية!

ولنأخذ مثلاً الأدب الاندلسي، فلا مراء في أهمية الأدب الجاهلي وعلى وجه الخصوص المعلقات والشعر الجاهلي بمختلف أشكاله ومضامينه وأغراضه وأنواعه، وكذلك النثر الجاهلي، لكن لو لم يفتح العرب إسبانيا ويقيموا ملكاً على مدى قرون في الأندلس فهل كانوا سيبدعون الموشحات والأزجال وكافة أشكال وأنواع الأدب الأندلسي؟


وأين برز ابن عبد ربه وابن زيدون وابن خلدون وغيرهم المئات والآلاف من المبدعين الأندلسيين؟
ثم ما النهضة الفنية التي رافقت زرياب في رحيله من الشرق إلى الغرب؟ ألم يكن لاغترابه الأثر الكبير في فنه؟
ولو تركنا ذلك العصر القديم وقفزنا إلى العصر الحديث وتابعنا مجريات الأمور في الهجرة والرحيل إلى الغرب وخاصة من لبنان (الشقيق) فلا بدّ من السؤال: أين أبدع العمالقة اللبنانيون؟

أين أبدع كل من جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وعبد المسيح حداد ونسيب عريضة وفوزي المعلوف وندرة حداد وغيرهم المئات والآلاف من المبدعين اللبنانيين الذين لم يبدعوا إلا في الغرب، في ديار الغربة، في الأمريكتين: الشمالية والجنوبية؟
ثم أليس من الجائز أن يكون الحنين إلى الوطن أشد أثراً على المبدع وإثراءاً له من البقاء في وطنه؟