كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


"الأصل عون"؟


  • بقلم : د. منعم حدّاد

واستوى الجد في مجلسه وراح يحكي حكايته عن أكبر مدّع ومغرور ومتظاهر بالزعامة وكذاب ودجّال عرفه الناس، ويقّدم نفسه وكأنه فريد عصره ووحيد زمانه وهو على عكس ذلك...
فطالما زعم وادعى أنه سليل الحسب والنسب، وابن الأصل والعزّ والجاه، فريد عصره ووحيد زمانه، وسرعان ما تبين أنه مجرد واش حقير وفسّاد وضيع منبوذ عديم الأخلاق قيمته كقشرة بصل.

وقد اعتاد كبارنا أن يقولوا إن الأصل عون، والأصل حتى في الحمير يعين، وإن الجذور عليها ينبت الشجر، فإذا غرست زيتونة فلن تثمر إلا زيتوناً وإن غرست تينة فلن تثمر إلا التين، ومن كان أجداده وآباؤه أناساً خلوقين ويتمتعون بالمزايا الحميدة والصفات الحسنة والأخلاق الكريمة فسينمو ويكبر ويترعرع مثلهم ويسير على دربهم ونهجهم، والولد سرّ أبيه والبنت سرّ أمها...


لكن هذا ابن أبيه ولن أقول ابن أمّه ولن أذكر اسم ابيه الذي ينتسب إليه لأنه موضع ريبة وشكّ لا تأكيد ولا يقين، فهو ابن أمه وربما ليس ابن ذلك الرجل الذي ينتسب – أو نسبته أمه - إليه.
رعوه صغيراً وعاملوه لطيفاً خلوقاً وحاولوا جهدهم أن يزرعوا فيه الخلق الكريم والصفات الحسنة والحميدة عبثاً ودون جدوى، إذ أن أصله أعاده إلى حيث يجب أن ينمو ويكبر من سوء خلق ودناءة أصل وسوء محتد.


وكان يدعي الانتماء إلى أصل كريم ومحتد شريف وعرق نبيل يفاخر به، ولطالما كان "يحشر" نفسه بين الأوادم والمحترمين والمرموقين لعل الناس يحسبونه عليهم وواحداً منهم، ويلج مجالسهم فيتقي نظراتهم المزدرية ويقبع في أطراف المجالس ويحاول البروز والظهور والتقرب شيئاً فشيئاً لعله يناله شيء من الشرف لمرافقته إياهم ومحاولة الاندماج معهم وبينهم، وصدّق البعض أو كادوا أنه ينتمي لأصل وعرق كريمين!

ولما كان الناس يذكرونه بأصله الوضيع وبنسبه الدنس وبحسبه النجس كان يتهرب من المواجهة ويتنصل من أهله أهل الزعامة والشمم والإباء كما كان يحاول أن يصورهم ويقول في تواضع بالغ محاولاً رسم صورته كرجل عصامي بلغ ما لم يبلغه سواه!
وبالفعل فلقد كان عصامياً بلغ في عصاميته شأواً بعيداً قلما بلغه أحد سواه أو من قبله!

فقد "حالفه" الحظ والتقى يوماً بأحد أعوان بل خدم وكيل وكيل السلطان والمسؤول عن أرض البلد، وراح يتقرب منه ويتودد له، إلى أن نال شيئاً من ثقته وعطفه على حاله الذي يرثى له، وراح يتحسن عليه بما جادت به نفسه من فضلات وفتات لا يسمن ولا يغني عن جوع، ووجد "العصامي" في ذلك منفذاً وباباً يلج منه ليصل إلى عالم "الكبار" من خلال تلك الفتحة الضيقة!

ولكن من أين يأتي الفرج وما وراءه، إذ قبل الفرج لا خبز هناك ولا حتى شراء ثوب أو حذاء!
إذن فليتجند في خدم وكيل وكيل وكيل السلطان ويخدمه برموش عينيه ويقدم له شرفه وكرامته وحتى عرضه، فلعل ذلك يعود عليه بالفرج من أوسع أبوابه!

وراح الرجل يتجسس على الفلاحين الأبرياء ويتلصّص عليهم وخاصة أولئك الذين رثوا لحاله ورقت قلوبهم له، فإذا ما شطّ فدان أحدهم أثناء الحرث وداس في أرض السلطان المجاورة طار الرجل صوب وكيل وكيل الوكيل ليبلغه بنبأ اعتداء الأهلين على أملاك السلطان العظيم، وينال مقابل تلك الخدمة "الجليلة" شيئاً من الفتات، ولا يندى له جفن إذ يعتبر ذلك العمل حرصاً على مصلحة السلطان وأرضه لا وشاية رخيصة بأخوته وأهله من الفلاحين الطيبي القلوب والأنقياء السريرة.

وكان من الطبيعي في مثل هذه الحالات أن يوفد السلطان عساكره لترد "العدوان الغاشم" على أصحابه وتنقذ أرضه من "براثن الذئاب الجائعة المعتدية" عليها.
ولكي يحافظ "الزعيم" على زعامته ويستر نفسه بين الرجال كان كلما وشى بأحدهم يسرع إلى منزله ويبلغه باقتراب حملة تفتيشية من قبل السلطان ورجاله على الأرض لتفقدها ومنع الاعتداء عليها...

أي وباختصار كان يلعب على الحبلين: يشي بالفلاحين للسلطان ووكلائه ويبلغ الفلاحين الذين وشى بهم بوشايته ليتدبروا أمورهم ويحتاطوا للأمر ويتخذوا الخطوات اللازمة سلفاً وقبل فوات الأوان.

ولم يكن يخجل من مطالبة الفلاحين الذين وشى بهم بشيء من التعويض عن أتعابه وتعريضه نفسه لغضب السلطان فيما لو علم لا سمح الله بأنه أخبرهم بموعد حملة التفتيش القادمة...

أي أنه كان كالمنشار يأكل في الاتجاهين: يشي هناك وينال الفتات من السلطان وهنا ينال من الفلاحين كل ما لذ وطاب وغلا ثمنه وخفّ حمله...
والأسوأ أنه لم يكن يخجل البتة بتقديم نفسه بأنه زعيم ووجيه ومحترم، وهي صفات بعيدة عنه بعد الثريا عن الثرى...

وظل مثابراً على الفساد والوشاية بل ازداد قحة وحطة وصلافة، إذ رافق عسس السلطان ذات يوم لـ"ردّ اعتداء" أحد الفلاحين على الأرض، ولما وصلوا المكان وكان الناس قد علموا بالأمر واحتاطوا له وانتظروا قدومهم، واجههم صاحب الأرض قائلاً: يا هؤلاء، لقد شطّ الفدان وسحب المحراث شبراً أو اثنين في أرض السلطان، فهل يستحق هذا اهتمامكم واستنفاركم وتغلبيكم؟

لا، لست حانقاً ولا غاضباً، بل حزيناً وحزيناً جداً على هذا "الزعيم" الذي انحطّ إلى أدنى الدركات، وجعل من نفسه خرقة تمسحون بها أدرانكم وأحذيتكم...
وليعلم القاصي والداني من اليوم وصاعداً حقيقة هذا الدجال المارق الواشي الكذاب...ذي الأصل الوضيع، فها قد عاد لأصله وانكشف أمره، و"الأصل عون"!