كنوز نت - قراءة :علي هيبي



  • شاعرة التفاؤل من الإحساس بالألم تكتب الجمال وتنشد الفرح


(قراءة في ديوان "مملكة الشعر" لروان يوسفين)

مُفتتَح:

جاءتني تتهادى وتحمل بين يديْها مملكة من القصائد راغبة في إبداء رأيي، فسألتها إذا كانت ترغب في سماع رأيي شفاهًا بأمّ الأذن أم تراه وتقرأه مكتوبًا على الورق بأمّ العين؟ تركنا الموضوع بعد اللقاء الأوّل للأيّام واللقاءات القادمة، قرأت مجموعة القصائد، ومن ثَمّ رغبْتُ أنا نفسي بكتابة مقدّمة لها، ولكنّي أرجأت الأمر للتشاور الحرّ في اللقاء الثاني، واتّفقنا على هذا الأمر، رغم أنّنا لم نتّفق على أمر هامّ آخر، وأعود للبداية كانت تحمل قصائد وضعتها تحت اسم "مملكة الشعر" ولم يرقْ العنوان في وجداني وخاطري، ولكنّي لم أعترض، فلكلّ شاعر يومئذ شأن وعنوان يغنيه، وعدت من اللقاء الثاني أحمل تفكيرًا جديًّا ورأيًا اعتقدت أن لا جدل فيه حول تغيير العنوان بعدّة بدائل، لن أذكر أيّ واحد منها الآن، لأنّها أصرّت على الاسم الذي اختارته عنوانًا للمجموعة "مملكة الشعر"، باكورة إبداعها الشعريّ، وأنا أحترمت هذا الإصرار، لأنّني قلت في مقدّمة ديواني الأوّل الذي أسميته " أوّل الغيث حبّ" وصدر سنة 2004، قلت ولم أستشر أحدًا في التسمية: "لأنّ الشاعر عندما يسمّي ديوانه الأوّل يكون كالأب والأمّ اللذيْن يسمّيان مولودهما الأوّل، وهما في الحقيقة إذ يسمّيانه فهما يسمّيان أنفسهما، كما هو الحال في مجتمعنا العربيّ وفي عاداتنا الحياتيّة. ولذلك لروان يوسفين الشاعرة الواعدة التي تطلق مجموعتها الشعريّة الأولى الحقّ وكلّ الحقّ في تسمية مولودها الشعريّ البكر، كما يحلو لوجدانها وكما يروق لخاطرها وكما يطيب لقصائدها أوّلًا وثانيًا وثالثًا، أمّا وجداني وخاطري وتجربتي في الشعر، فربّما تأتي رابعًا أو خامسًا أو سادسًا.

"مملكة الشعر" باكورة الإبداع الشعريّ للشاعرة الواعدة والرقيقة، ابنة مدينة شفاعمرو روان يوسفين، وهي ذات تجربة سابقة في الكتابة للأطفال، وهي مدرّسة تعمل في التربية والتعليم، ولعلّ في هذه المعلومات الأساسيّة حول شخصيّتها ما يفيد في مادّة هذه المقدّمة المتواضعة. عندما تقرأ لأديبة شاعرة كانت أم كاتبة، فلا بدّ من أن يخطر على البال موضوع الأدب النسويّ ومدى شرعيّته في تحليل عمل أدبيّ لامرأة، عانت أدبيًّا كمعاناة الرجل عندما يخلق ويبدع، وعليك أن تبحث عن سمات وخصائص تميّز هذا المنتَج الأدبيّ وفقًا للشخصيّة النسويّة عن منتَج أدبيّ لرجل، وما زلت أعتقد أنّه ورغم الدراسات الكثيرة في هذا المجال الدراسيّ والتحليليّ، ما زلت أعتقد أنّ هناك رجلًا قد يتقمّص شخصيّة المرأة ويكتب ويبدع فيها أفضل من كلّ النساء، والعكس صحيح بالتأكيد، فثمّة مبدعة قد تصوّر الرجل بأحاسيسه وبواطنه وعالمه الخارجيّ والداخليّ أفضل من كلّ الرجال، وقد يكون للموضوع مصداقيّة الطرح لو أنّ الفرق في خلق الله للرجل والمرأة والفروق الجسديّة والنفسيّة بينهما هي المعيار، لذا لن أطيل في هذا المحور.


"لست ناقدًا" عنوان كتاب لي صدر سنة 2018، قدّمت فيه بعضًا من القراءات التي تشبه النقد، ولم أزل مصرًّا على أنّي لست ناقدًا، وإذ أكتب مقدّمة لمجموعة شعريّة أو قراءة ما، فيها بعض من النقد، فذلك ليس استنادًا إلى مدارس نقديّة ولا إلى نظريّات علميّة، فليس ذلك ما يقود كتابتي، ولا أرضاء للشاعرة ولا لأيّ طرف آخر، بل ما يقود عنان قلمي ما في جعبتي من معرفة متواضعة وثقافة مثلها هو النصوص التي أمام عينيّ معرفتي وتجربتي التي قد تتآكل مع توالي الأيّام وانطواء السنين وانكماش الذاكرة.


منذ قرأت القصائد قراءة أولى وجدت فيها شعرًا ووعظًا، وقفت موقف الإيجاب من الشعر وموقف السلب من الوعظ، لأنّ الوعظ المباشر في مختلف جوانب الحياة قد أعلن إفلاسه أمام ما يتعرّض له مجتمعنا من عنف دائم ومستشرٍ وقاتل. ولم يعد وعظ الأب والأمّ في البيت والأسرة ولا وعظ المعلّمين في المدارس ولا وعظ رجال الدين في المعابد والصلوات ذا أثر وتأثير. بعد قراءتي الثانية للقصائد وجدت الوعظ ينبع ويتدفّق من صميم التجربة الحياتيّة التي حوّلتها الشاعرة إلى معاناة عايشتها، ومن ثَمّ إلى تجربة شعريّة تغنيها الصور الفنيّة والجماليّة، والتي تبعدها كثيرًا عن الوعظ المباشر الذي يقلّل من قيمة الشعر والفنّ والجمال.

مفاتيح:

لا نستطيع الولوج إلى عالم القصائد الداخليّ ولا إلى غُرَفه القابعة وراء الكلمات وسواد السطور إلّا بمفاتيح ملائمة، لا ينفع غيرها في هكذا حالة أيّ مفتاح آخر، وإن فقدنا تلك المفاتيح فسنضطرّ لكسر القفل أو الباب، ونحن لا نبغي الكسر بل نبغي أن نجبّر ما انكسر، ولو بإرجاع غرف العالم الداخليّ إلى الموادّ المكوّنة الأساسيّة لجدرانها من الحجر ولأبوابها من الخشب ولنوافذها من الحديد.


وفي حالة هذه القصائد التي تصبو أن تكون مجموعة مغلقة بعنوان "مملكة الشعر" ومحدّدة بشروط القارئ المفترض، هذه القصائد التي تسكن هذه المملكة لم يكن من السهل إيجاد مفاتيح ممكنة تسمح بالدخول لكشف المستور في داخلها، فعندما تدخل عالمًا من الخطاب الأدبيّ أو معملًا من النسيج الشعريّ، لشاعرة واعدة، مرهفة الحسّ، تصدر باكورتها، الوليدة الجديدة، فإنّه من الحتميّ أن يستوقفك ويواجهك أمران: الأوّل هو النصوص كمادّة خام في البداية، وتشكّلها قصائد من تعابير وصور متآلفة ومنسجمة مع موادّها الأساسيّة، ألفاظًا ومعانيَ وموسيقى ودلالات، والثاني القارئ المتلقي الذي يريده أو يفترضه الشاعر المرسِل ومُرسَلته/ قصائده وأثرها عليه وإمكانيّات تأثيرها فيه.


وبكلّ الصراحة والاختصار، "لا كاتب بلا قارئ" وكلّ من يظنّ أنّ الشاعر يلقي كلامه على عواهنه وكيفما اتّفق، ولا يهمّه أين يقع، فهو مخطئ، لا يكتب شاعر واحد قصيدة واحدة بلا جمهور متلقّين مفترض، إذن فالقارئ هو الآخر يشكّل وعي الشاعر ويشارك بشكل غير مباشر في تشكيل النصّ الأدبيّ شعرًا كان أم نثرًا، وليس الناقد الذي يقرأ ويفسّر ويتذوّق ويحلّل ويستنتج ويصدر الأحكام، ويبغي منها توجيه الشاعر والمتلقّي وترشيد وعيهما وطريقهما لتشكيل نصّ أجمل وأرقى من كافّة المعايير الفنيّة في المستقبل.


والشاعرة التي نحن بصدد دراستها ونصوصَها الشعريّة تثق بالمستقبل ثقتها بإشراقة قرص الشمس الباهر في صباح ربيع أخضر، زاهٍ وبهيّ، رغم ما يشوب حاضرها الراهن والقبيح من مرارة ومعاناة تنطوي عليها في حياتها الحقيقيّة، ومن ثَمّ تُحيل هذه التجربة الحياتيّة، كما قلت من قبل إلى صياغة فنيّة جماليّة، تصقل بها تجربتها الفنيّة والشعريّة. فهي شاعرة حالمة بعينها، جميلة بروحها، متوثّبة نحو قدسيّة حريّتها، شاعرة تجيد التأمّل، وفي التأمّل رؤية للواقع الموجود الذي تعيشه الشاعرة وتعايشه وتضطرب فيه، وفي التأمّل رؤيا نحو مستقبل يغمره الإشراق والأمل والحبّ. تعالوْا نتأمّل معها هذا الواقع وهذا الحُلم، تقول الشاعرة في قصيدة "سعادة القاضي":


"مَن أنتَ حتّى تقودَني بذئبِكَ إلى فكرِكَ المظلمِ وعقلِكَ المتحجّرِ
سلبيّتُكَ لكَ وحدَكَ وتشاؤمُكَ هندسةُ عقلِكَ
أمّا أنا كالفراشةِ اليانعةِ المكسوّةِ بالتفاؤلِ وتهبطُ في ساعاتِ الفرحِ
تتأرجحُ بكبرياء طموحِها وشموخِ أحلامِها بعيدًا عنْ مدينتِكَ الطافحةِ بالتيهِ"


من هنا نبدأ مع شاعرتنا المرهفة والتي تنماث في صفاء روحها، ومع معاناتها الأليمة الموجودة وأحلامها الآملة المنشودة، رغم ما يخالج وجدانها من أزمة تنبع من العالم/ الذئب المتوحّش الذي يريد أن يفرض ثوابته المتحجّرة ويقود بها الحياة المتدفّقة والمتجدّدة دومًا والإنسان/ الفراشة المتحرّر المنطلق نحو تحقيق أهدافه السامية وتحويل أحلامه المشروعة إلى واقع أجمل وأسعد وأنبل. من هذا الواقع ونقيضه الحلم ومن هذا الألم ونقيضه الأمل ومن هذا الظلام ونقيضه شمس الحريّة ومن هذا الجمود والانكماش في الكهوف الأرضيّة ونقيضهما التحرّر والانطلاق نحو الطبقات السماويّة، من هنا ومن هذه الثنائيّات الماثلة ومن رؤيتيْ: المرسِل والمتلقّي، بهذه المفاتيح نبدأ ونفتح، مغاليق التجربة/ المعاناة مضامين وصورًا، معانيَ وصياغات لنكتشف عوالم القصائد الخفيّة وخبايا النصوص الداخليّة.

مفتاح الليل:

لمّا أصل إلى تفسير أطمئنّ له، وقد لا أصل إلى إجابة عن السؤال: لماذا تكتب شاعرتنا معظم قصائدها في الليل، وتذيّل ساعة الكتابة بعد نصوص القصائد؟ فهل لأنّ الليل "أبو ساتر"، أو حافظ الأسرار؟ أم لأنّ الإنسان يخلد فيه إلى نفسه الخاشعة بالهدوء والصلاة، متأمّلة في الخلق والخالق والكون والإنسان، بعد يوم من عناء العمل والانشغال، وبعيدًا عن ضوضاء العمل وصخب الدنيا المادّيّ، وهنا نستذكر قول الشاعر اللبنانيّ المهجريّ إلياس إبي شبكة في المقطع الأوّل من قصيدة "المغيب":

"اسجدي لله يا نفسُ فقد وافى المغيبْ
هوذا الفلّاحُ قد عاد من الحقل الجميلْ
في يديْه المنجل الحاصد والرفش الطويلْ
وعلى أكتافه حمل من القمح ثقيلْ
فهو تعبان وفي عينيْه آثار اللهيبْ
اسجدي لله يا نفسُ فقد وافى المغيبْ"

أم تساوقًا مع الآية الكريمة، حيث قال الله في كتابه العزيز: "هو الذي جعل الليل والنهار آيتيْن فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلًا من ربّكم ولتعلموا عدد السنين والحساب" (سورة الإسراء، الآية 12)، وكذلك الآية: "وجعلنا لكم الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا" (سورة النبأ، الآيات 10 - 11)، فالليل عنوان الاسترخاء والهدوء والطمأنينة والسكينة، والليل حضن العشّاق الهاربين من عيون العيون وشريك الأحلام والأحزان وبثّ الشكوى والهموم، وهل من الممكن أن يتولّد شعر وصور وتعابير فنيّة وموسيقى بلا هدوء أو خلود إلى النفس؟ وهل هناك شعر بلا حُلم وأمل؟ وهل ثمّة ما يكتب معبّرًا عن الذات بلا همّ ومعاناة وحزن وعشق وشكوى؟ والإنسان الشاعر لا يحبّ أن يطّلع أحد على ما يكتبه ليلًا إلّا بعد أن يكتمل في وضح النهار!؟ ولذلك كان الليل لباسًا وغموضًا وسكينة والنهار كدًّا وعملًا وعلمًا وحسابًا. وهناك من عبّر عن نعومة الليل وخشونة النهار، وأظنّه الكاتب المصريّ يوسف إدريس، حيث شبّه الليل بالامرأة والنهار بالرجل. ويبقى التساؤل ماثلًا أمام العين وحائرًا في طيّات الفكر ومشروعًا حتّى وإن لم يجد له جوابًا.


لا يهمّنا إذا كانت واحدةً من هذه العلاقات هي التي شدّت الشاعرة إلى الليل أو كلّها مجتمعة، فبالنهاية لم تخرج الشاعرة عن مألوف هذه المعاني القرآنيّة والأدبيّة والاجتماعيّة. وهي على قدر حدود معلوماتي الأولى من بين الشعراء الواعدين في أدبنا المحلّيّ الذين ذهبوا هذا المذهب في تذييل القصائد بساعة كتابتها.

مفتاح الحُلم:

نقول في لغتنا الدارجة ومن موروثنا الشعبيّ إذا أردنا أن نطلب من أحد فعل الخير الخالص: "اعمله لله أو لوجه الله"، والشاعرة في مستهلّ ديوانها، وفي أولى قصائدها "لأجل الله" تستحلف الإنسان، بغضّ النظر عن انتماءاته ومشاربه ومعتقداته، وبنزعة إنسانيّة طاغية، تستحلفه وتعظه بالعمل الصالح لأجل الله، كي يكون عمله خالصًا من كل مأرب ماديّ أو من أيّة مصلحة نفعيّة شخصيّة زائلة، ولا شكّ أنّ الوعظ في قصائدها يشغل حيّزًا ليس بقليل، ولكنّه يتحوّل إلى عنصر مكوّن من مكوّنات مضامينها الشعريّة، لأنّ هذه المضامين تشكّل هي الأخرى نسيج المعاناة والتجربة التي انبثق هذا الوعظ من صميم آلامها الحياتيّة، ولأنّ "الوعظ هو تذكير بالخير فيما يرقّ له القلب" كما قال الخليل بن أحمد، ولأنّه وفقًا للآية الكريمة: "موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"، (سورة يونس، الآية 57) فإنّه بهذه المثابة يتحوّل إلى دعوة إنسانيّة شاملة للتفاؤل ونشر الأفكار الحيّة والتجارب المعيشيّة الأليمة بلهجة الأمل والفرح وبأسلوب مباشر من الأمر والنهي، كما في توجّه الشاعرة في قصيدتها الأولى، وفي شعرها عامّة في باكورة إبداعاتها الشعريّة، ولعلّ هذه القضيّة لا تنفصل عن كونها مدرّسة تعمل في التربية والتعليم، وما فيهما من إرشاد وتعاليم ومواعظ، وبخاصّة كذلك عندما تكتب رسالة للمعلّم راجية وواعظة ومعلّمة إيّاه أن لا يضرب ابنها كمثال لتحريم العقاب الجسديّ وغيره من أنواع العنف لأنّه مضرّ في التربية القويمة والتنشئة السويّة.


تقول الشاعرة في مستهلّ قصيدة "لأجل الله":

"اكتسبوا ما استعطتُم منَ الفرحِ وانهلوا منَ العلمِ بحرَ أملٍ
تجمّلوا بألسنتكُم ولو تفاؤلًا فالقلبُ لا يمتلكُ حيّزًا للألمِ
تشبّعوا منْ ذكرياتكُم الحزينة وابنوا عالمًا أبيضَ منَ السعادةِ
فحلاوةُ المجدِ تنبعُ منْ علقمِ السوادِ والفشل
لأجلِ الله"


من هذه القطعة القصيرة نبدأ بخطوة أولى نتبيّن مسار مسافات طويل، ليس من عالمها الذاتيّ الصغير بل من عالمها الكبير المترع بالحزن والألم والفشل والسواد الذي يغشى العالم وكيان الإنسان، من هذا العلقم والواقع المرّ تنطلق بنداء حارّ للإنسان لتقول له، إنّ مكوثك وانطواءك في هذه الدائرة من الحزن وهذا الكهف من الانكفاء لن يوصلك إلى النهل من الفرح والغرف من بحور العلم النافع الذي يبني، وينقلك من الإحساس بطعم العلقم ولون السواد وتذوّق الفشل، وأنت إذ تفعل ذلك فلنفسك، فالله غنيّ عن العالمين، ولكنّ الشاعرة تناشد وتستحلف لوجه الله، مناشدة نابعة من صميم القلب الصادق ومن نزعة إنسانيّة شاملة، وبذلك الفرح يمكن بناء عالم جديد على أنقاض عالم قديم ذي قيم لا تقود إلّا للفشل والحسرة والضياع. ولعلّ هذه الدعوة الأخلاقيّة والاجتماعيّة تنسجم مع دعوتها في قصيدة "أيّها المعلّم" المستمدّة من عالم الطفولة وتلاميذ المدارس، حيث تطلب منه الترفّق بابنها وبغيره من التلاميذ الصغار وتناشده بالعمل وفق منهج تربويّ سويّ، لأنّها تؤمن أنّ هؤلاء الصغار هم كبار المستقبل وبناة الغد السعيد والنبيل، فيما لو أحسنّا تربيتهم وتعليمهم، والشاعرة كما قلنا من قبل بنت هذا المناخ في عملها الرسميّ، وهي كاتبة قدّمت للأطفال قصّتيْن حتّى الآن. كلّ ما تقدّم يشكّل جزءًا تشكيليًّا للحُلم، وقد كان هذا دافعًا هامًّا من دوافع اختيار عنوان هذه الدراسة ونعت صاحبة الحلم بشاعرة التفاؤل التي تنطلق من الألم والأحزان لتنشد وتكتب الأمل والفرح كي يصبحا واقعًا حقيقيٍّا مشرقًا.


ذكّرتني قصيدتا روان التي عنونتهما بالفرح: "الفرح في جعبتنا" و "جواد الفرح"، ذكّرتني بكتاب للأديب السوريّ محمّد الماغوط الذي يحمل عنوان "الفرح ليس مهنتي" لشدّة ما لاقى من معاناة على المستوى الذاتيّ والوطنيّ والقوميّ، أمّا شاعرتنا المتفائلة دائمًا فإنّها تجعل الفرح رسالتها ومن أهمّ انشغالاتها كإنسان يحسّ بقيمة توصيل هذه الرسالة للناس، لأنّ الفرح دينها الإنسانيّ وديدنها في الحياة الكريمة، والتي يجب أن يجلو فيها الفرح وغيره من قيم السموّ بالإنسان كلّ القبح والسواد والشرّ، الفرح عندها رسالة كلّفت نفسها بنشرها لنعيش جميعًا بمجتمع عادل وجميل وسعيد، فعند روان الفرح ليس مهنة بل رسالة للتخلّص من هذا العالم القميء والكالح والمكفهرّ. في قصيدة "الفرح في جعبتنا" تعبّر الشاعرة عن أنّ الفرح طبع في الإنسان يولد معه وليس أمرًا مكتسبًا نبحث عنه فتقول: "أدركْ أنّ الفرح يولد معك وأنت صانعه" وتقول: "نتوافد كالنمل ونبحث عن الفرح، نجده متروكًا وحيدًا في بيتنا" وتقول مؤكّدة هذه المعاني: "فالفرح الحقيقيّ يمتزج بالروح وينتقل معك أينما كنت بحبّ وطهر وإيمان". وكذلك في قصيدة "جواد الفرح" تمتطي روان الشاعرة المتفائلة متن جواد المعاني الجميلة ذاتها، وفي تكرارها تأكيد لرؤيتها الإنسانيّة التي تجيد سبكها بمعانٍ وأفكار تطيع رسالتها العظيمة، فتقول فيها: "لا ترحل عن الفرح مهما طغت الأحزان/ واغمر الفرحة قبل أن تغمرك" وكأنّي بها تقول قف أيّها الإنسان! الأمر بيديْك وانتظر ركوب الجواد الذي يتنقّل بك ويطير محلّقًا وينشر الأثر الطيّب ويجعل الحياة بلا أحزان وهموم. وهذا الفرح الإنسانيّ الذي يجب أن يسود ويعمّ هو أحد مكوّنات الحُلم السعيد لدى الشاعرة، وكأنّي بها تتماثل مع الشاعر المهجريّ إيليّا أبي ماضي وقصيدته الشهيرة التي يدعو بها الإنسان المتشائم والذي لا يرى العالم والحياة والطبيعة إلّا بمنظار أسود:



"أيّهذا الشاكي وما بك داء كن جميلًا ترَ الوجود جميلا".


لكن ليس الفرح وحده ما يشكّل حُلم الشاعرة الكبير، فثمّة كثير من المعاني تسكن وجدان الشاعرة زيادة على الفرح، فهناك أيضًا ما يعمّر القلوب الممتلئة توثّبًا للانطلاق والسمو تستمدّه الشاعرة من الطبيعة التي تعجّ بالحيويّة والحركة، من صفير الرياح وخرير المياه وحلل الأرض المضيئة وسمفونيّة الطبيعة الخالدة المنبعثة من أصداء الأصوات وجريد النخيل الذي لا تجد غيره لتمتلك القدرة على قول الشعر، ففي قصيدة "نعيم الدنيا" تقول:

"ألتحفُ منْ جريدِ النخيلِ ثوبًا أكسو به قلمي العاري
فلنْ أجدَ أقسى منْ ورقِ الجريدِ لباسًا لأحفرَ عليْهِ حبري"

والقسوة هنا لضمان بقاء الكتابة خالدة، والجريد هو اللباس القشيب الذي ستغمس فيه الشاعرة قلمها وحبرها، لأنّها تؤمن بقدرة الطبيعة على تعليم الإنسان وإيقاظ إقباله النشيط على الحياة، وهي تعبّر عن هذه القوّة الخارقة في قصيدة "طلاسم الابتسامة" بقولها: "ثغرٌ باسمٌ يحرّر قيود عبد".
في قصيدة أخرى بعنوان "كوكب أبيض" تقدّم الشاعرة صورة رائعة للبياض منذ الولادة حتّى الموت، فالبياض بمعناه الإيجابيّ لون النقاء والبراءة، فالطفل ملبسه البياض منذ ولادته والميّت كفنه البياض في قبره، وكأنّي بالشاعرة تريد أن تقول أنّ البياض هو الحياة بنقائها وطهارتها على مدى الأيّام والسنين، وليس عند الولادة والموت فقط، فبينهما صورة العروس الرافلة ببياض عرسها وأمل حياتها بدوام زواجها ورغد عيشها، والحاجّ إحرامه في البياض الذي يدلّ على طهارة القلب وعمق الإيمان ورسوخ المعتقد، فالبياض عند الشاعرة فكرة رائعة يوحي شكلها أو لونها الخارجيّ بأعماق مضمونها كدلالة على الفرح والصفاء والقداسة. وتتكرّر هذه الدعوة للفرح والحياة الكريمة في قصيدة "زورق الأمل" وقصيدة "سقط سهوًا" وقصيدة "عازفة الشعر": الطافحة بأصوات الموسيقى وألحان الحياة وعزف الناي وإيقاع الشعر وأنغام الطبيعة، فهي تبعث فيمن يستمع إليها: "تخلقُ في مَنْ يسمعُها حكايةَ حبّ/ ويغدو بهمّة ونشاط" وتنادي العازفة العفيفة النفس "الفلّاح ليداوي قلبه بلحن حزين". وللفرح عند شاعرتنا/ الإنسان بعمق معانيه الصادقة أعداء، أبرزها الطائفيّة التي تفتك بالنسيج الاجتماعيّ والألفة بين الناس، وبين أبناء البلد الواحد، كما عبّرت عن ذلك في قصيدة "أدونيس" التي وظّفت فيها قصّة الذئب والحمل الوديع لتعطي صورة واضحة لفتك القويّ بالضعيف واعتداء المتوحّش على المسالم الوادع، ومن هذا المنطلق حرصت على إبداء حبّها لمدينتها شفاعمرو وأهلها، بغضّ النظر عن انتماءاتهم وطوائفهم في قصيدة "البطولة" وعبّرت فيها عن قوّة الانتماء للمدينة ودعت أهلها للوحدة والتسامح والحبّ، ولعلّ في هذه الصورة من الانتماء الضيّق لشفاعمرو دلالة على الانتماء الأوسع والأرحب قوميًّا وإنسانيًّا، وهو الانتماء المعبّر عن الألم الجماعيّ النابع من الطائفيّة البغيضة، كما جاء في قصيدتها "مقصّ القطيع".


وهناك موقع وموضوع من المهمّ ذكره في تبيان صدق المشاعر، ليس في موضع الفرح والحبّ بل في مواضع مناقضة أيضًا، مثل أن يفتّت الحزن القلب ويعتصر الألم الروح عندما نُصاب بالفقدان، فالشاعرة تفقد عزيزتيْن، ترثيهما بأسلوب جديد، فالرثاء عندها ليس بمعناه التقليديّ من ندب وتأبين وحِكَم، بل هو شعور صادق هادئ نحو صديقة صدوقة، اختطفها الموت فعانت الشاعرة، ولكنّها على غير عادة الباكين تواسي نفسها بنفسها بالتحلي بالإيمان بالحكمة الربانيّة الخالدة، في قصيدة "رثاء لروح كروان". وفي قصيدة "في ذكرى يارا الجميلة" ابنة صديقة أخرى ماتت وهي في عمر الورد، ترثي بهدوء وتنفعل بصمت وعزاء، مع أنّها ترى الخطب الجلل والمصاب الأليم الذي أحاق بأمّ يارا وأصدقائها. لكنّ موت الفرد لا يوقف الحياة المتدفّقة، فالحياة أقوى، فالشاعرة التي تناولت الموت في قصيدتيْن اثنتيْن تناولت الحياة في حوالي عشرين قصيدة، وفي ذلك دلالة ساطعة.

مفتاح التوظيف:

إذا اعتبرنا التوظيف أحد المفاتيح التي تجلو جوانب مظلّلة في القصائد، فلا بدّ من أن يساهم هذا المفتاح في كشف استخدام العناصر الرمزيّة والإحالات التاريخيّة والظواهر الطبيعيّة، وما تلقيه وتضفيه على التجربة والمعاني من دلالات، فالتوظيف من أبرز النواحي الفنيّة التي تكسب الشعر عمقًا وفكرًا، لأنّه ينقل من القديم: التراث الدينيّ والتاريخيّ والأسطوريّ والشعبيّ والطبيعة صورًا وموادّ وقصصًا تضفي على الجديد جديدًا في الصورة الفنيّة والجماليّة، والتي لا يُقصد من خلالها إعادة نسخ القديم ولا حتّى صياغته، بل ترمي إلى توظيفه في معانٍ وأفكار مستحدثة يبدعها الشاعر من صميم تجربته وثقافته وقاموسه الخاصّ.


الطبيعة بما لها من ظلال وألوان وبما فيها من أصوات وصور تعدّ في قصائد الشاعرة مركّبًا رئيسًا في عالمها السعيد الذي تنشده طافحًا بالفرح والنور والحبّ، فالطبيعة بألوانها: الأخضر والأبيض وغيرهما، وبكائناتها من شجر وقمر وشمس ونهر وبحر تشكّل صورة تعجّ بالحياة والإشراق والروح الوثّابة نحو الحريّة والمستقبل الجميل، وبذلك تتحوّل إلى إطار من النور يضفي عالمًا متخيّلًا ساحرًا يضاف إلى العالم الحقيقيّ فيزيده خلابة ورونقًا، وقد لا تخلو قصيدة من قصائدها من هذه المكوّنات الطبيعيّة الموظّفة من أجل أداء دلالات ومعانٍ، تعبّر عن رغبتها بالانتقال من عالمها البائس والمملوء بالألم والظلم والمعاناة إلى عالم لأنسان يتجدّد بالحبّ والنور والفرح والحريّة تجدّد الطبيعة بكلّ حالاتها الجماليّة.


أمّا من التاريخ الإسلاميّ والقرآن فشاعرتنا توظّف مقولة الخليفة عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، تأكيدًا لقولها: "نحتاج لصحوة ورحلة في هذا المكان من جديد" في قصيدة "أدونيس"، ولعلّ هذه الإحالة التاريخيّة تضيف نزعة الحريّة التي تنشدها روان في هذا العالم الغارق في الظلم والكبت والقمع، هذا العالم الذي يجب أن يصحو ويسير في رحلة جديدة ذات أسس مناقضة للسائد، تقوم على مفاهيم جديدة، تهدم القديم وتبني الجديد. وجملة عمر - رضي الله عنه - ترد في قصيدة "أدونيس" وهو مستمدّ من الأساطير القديمة، واسمه مأخوذ وفقًا لبعض التفسيرات من كلمة "أدون" بمعنى السيّد، وسيادة الإنسان لنفسه تعني حرّيته في الحياة والتملّك، والسيادة في وجه من وجوهها عكس العبوديّة، وهذا تأكيد آخر لتفسير هذه الإشارات الرمزيّة.


صورة الحجّ والبياض والإحرام تحظى باهتمام لدى الشاعرة في قصيدة "كوكب أبيض" إذ تستقي من لباس الإحرام الأبيض أثناء تأدية المناسك الدينيّة صورة للبياض، هذا اللون الناصع والصافي والخالي من الدنس هو ما ترغب فيه الشاعرة أن يعمّ في هذا الكوكب/ الأرض، وهو يوحي بعد أن غفر الله الذنوب ونقّى القلوب، يوحي بولادة جديدة.


"زنوبيا" في قصيدة "ملكة تدمر" نموذج المرأة القويّة القادرة على المُلك في زمن عزّ فيه الملوك الرجال، تقول الشاعرة: "كم من ملك يعفّن كرسيًّا في عروبتي"، وزنوبيا نموذج أنثويّ ورمز للجمال والحبّ، أيقونة المكان وولادة الزمان، نموذج مختلف يأبى الذلّ: "سلّمت الروح وابنها طوعًا/ فضّلت الجوع على الشبع الذليل/ حفرت في التاريخ مجدًا واستوت على عرش الجمال"، هذه المرأة هي الوجود الواعي والصادق والقويّ الذي يجعل الحياة بدونها مشلولة، ذليلة كذلّ ملوكنا الخانعين والمتخمين بالشبع والمال والهزائم وكبت شعوبهم: رجالًا ونساء، وتدمير بلادهم. أين "تدمر" السوريّة العربيّة العريقة الآن!؟ هل ما زالت الآثار فيها تشهد على عظمتها وعظمة ملكتها القديمة!؟ والتي نحتاجها الآن لتحقيق انتصارات نتوق إليها. ولعلّ عفن هؤلاء الملوك نجده في أولئك الناس الذين ينطوي كلّ منهم على خطيئة، ويتجمّعون على تلك المرأة المخطئة يرجمونها بحجارة الظلم والكذب، حتّى يأتي السيّد المسيح - عليه السلام – لينقذها بجملته الشهيرة ذات الأثر البارز "من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر"، فبعد تجاوز الألم والخطأ، تأتي دعوة السيّد المسيح – عليه السلام - للصفاء مع النفس والتسامح والفرح الإنسانيّ. تقول الشاعرة في هذا السياق في قصيدة "قصر ملكيّ": "عندما رماني الناس بالحجارة بكيت/ لكنّني سرعان ما عدت للابتسامة". الحزن والفرح أيّهما الأجدى لاجتياز الأزمات!؟ إنّه ليس مجرّد سؤال.


في قصيدة "تعويذة" تؤكّد الشاعرة اهتمامها بنموذج المرأة القويّة القادرة على قلب الموازين والمفاهيم والمسلّمات في المجتمع البائد حتمًا بمقاييسه وموازينه، بمفاهيمه ومسلّماته، من خلال توظيفها لشخصيّة "شهرزاد" الذكيّة القادرة على القصّ وترك الأثر الكبير، استطاعت بآلاف القصص "ألف ليلة وليلة" أن تروّض الملك "شهريار" قاتل النساء "العيون الموؤدة في البئر"، هذه القدرة الفنيّة الخارقة في سرد "شهرزاد" تجعل القلب الذي تميّز قسوة يرقّ ويلين ويغيّر الطريق القديمة المودية إلى الموت بطريق جديدة، تبنى الأمل والانطلاق للحياة وفق مفاهيم ومقاييس وقيم جديدة. فبعد أن: "شبع شهريار واغتنى بأقاصيص الليالي/ بات في ألف سبات وسبات/ وكان نور وصباح"، أليست هذه ولادة جديدة وخلق جديد، بعد أن خلق الله النور وفق قصّة خلق النور في التوراة؟ وهل البئر التي وئدت فيها العيون الموظّفة في هذه القصيدة هي ذات البئر التي وئد فيها "الصدّيق يوسف" - عليه السلام - المستخدمة في قصيدة "إسخيلوس وبئر يوسف"، فمن ذلك الحوار بين يوسف وإسخيلوس نستشفّ بل نلمس موقفيْن من الواقع المعيش بكلّ بساطة عيش اللحظة الراهنة والحلم الذي ينطوي على أمل بوجود مجتمع مثاليّ وأناس مثاليّين، ولعلّ إسخيلوس يلخّص الموقف في صرخته الأخيرة في القصيدة، عندما قال: "بئس من عكّر البئر ولوّث الناس"، فهل يعود للبئر نقاؤه وللناس صفاؤهم؟


لا تنفصل هذه الرموز التي وظّفتها الشاعرة بذكاء وانتقاء، بغضّ النظر عن المصادر التي استقيت منها، ما يدلّل على أنّ الشاعرة على قدر كبير من الثقافة، من الأساطير القديمة: شرقيّة وغربيّة، من التاريخ: عربيّا وإسلاميًّا ومن الطبيعة بكافّة مباهجها، لا تنفصل بسيميائيّتها ودلالاتها عن السياق العامّ للقصائد: بناء وشكلًا ولا مضمونًا وفكرًا ولا تجربة ومعاناة، وهي تشكّل مدماكًا هامًّا بين مداميك البناء الشعريّ المتّسقة والمتآلفة، مفادها النهائيّ - برأيي - هذا العالم الذي نعيش فيه عالم قديم بائس موبوء بالخطايا والآلام والقيم البالية والمفاهيم الهدّامة، لا بدّ من أن نهدمه كما حرق نيرون روما، وعلى أسس هذا الهدم الإيجابيّ علينا نحن - الإنسان الجديد - أن نبني عالمًا جديدًا قوامه الإنسان المتحرّر، الخيّر، حامل قبس المعرفة ومَشعل النور والحبّ الكبير المفعم بالمشاعر الصادقة، هذا العالم المنشود يتأسّس على جذور آمال وأحلام عظيمة، على مفاهيم وقيم جديدة، لا يحملها إلّا نوح جديد كما في قصيدة الشاعر السوريّ آدونيس أو برومثيوس سارق نار الحياة والمعرفة في الأسطورة القديمة.

مفتاح الخطاب والمتلقّي:

الخطاب اللغويّ في النصّ الشعريّ قد يكون مختلفًا ومتميّزًا عن أيّ نصّ أدبيّ آخر، وذلك بفضل تكثيفه ورموزه، زيادة على أنّه ربّما أكثر من أيّ نصّ أدبيّ آخر ينظر إلى المتلقّي بعين عالية الاعتبار، ولذلك لا بدّ للمرسِل/ الشاعر في هذا السياق أن يسوق خطابه نحو متلقٍّ مفترض منذ البداية، وعليه تحديد بعضٍ من تفاصيل هويّته الوجوديّة والوجدانيّة وبعض حدود شخصيّته الثقافيّة. وعلى المتلقّي في هذا العصر أن يكون على قدر كافٍ من الاستعداد للشعر الحديث الذي يتطلّب قارئًا جديدًا ومثقّفًا ويتعامل مع هذا الخطاب اللغويّ على أساس من المعرفة والخبرة.


قلنا منذ البداية أنّ الوعظ يشغل حيّزًا ليس بقليل في نصوص روان يوسفين الشعريّة، ولا شكّ في أنّ الوعظ مضمون تعليميّ وتوجيهيّ وإرشاديّ، وهو ما يتنافى مع ما قدّمناه عن الشعر والتكثيف والرموز، ولكن قلنا أنّ الوعظ وإن أتى عند الشاعرة بأسلوبه الطبيعيّ المباشر بالأمر والنهي فإنّه يشفع لها كون ذلك المضمون الوعظيّ انبثق من صميم التجربة والمعاناة التي لخّصْتُها في عنوان الدراسة، "شاعرة التفاؤل من الإحساس تكتب الجمال وتنشد الفرح"، وإلى جانب ذلك فإنّها عندما تخاطب بشكل مباشر تتوجّه بخطابها إلى مجموع تعرفه أو تفترضه على الأقلّ، حتّى لو كان المخاطب بضمير الجمع حقيقة أو مجازًا.


في قصيدة "لأجل الله" تستخدم في مستهلّ السطور الشعريّة هذه الأفعال من الأمر توجهّها للمخاطب بصيغة الجماعة وهي تعني ذلك وتقصده فتقول: "اكتسبوا/ انهلوا/ تجمّلوا/ تشبّعوا/ ابنوا/ قدّسوا/ اعتلوا/ اعبدوا/ حافظوا/ اصنعوا/ تكاثروا/ مجّدوا"، أمّا الخطاب بالنهي فتوجهّه بصيغة المفرد "لا تؤجّل/ لا تتكبّر"، ولكنّها تعني الإنسان بوجه عامّ، وكلّ هذا الخطاب بالمضامين التي تحدّثنا عنها، أمرًا أو نهيًا جمعًا أو فردًا مطلوب من الناس فعلها "لأجل الله" عنوان القصيدة ومحورها الذي يتكرّر في كثير من الفقرات.


في قصيدة "شوك الطريق" توجّه الشاعرة كلامها بقليل من الأسلوب المباشر، بالأمر والنهي فتقول: "كن حكيمًا ولا تتنازل عن حقّك/ وإن تأجّل الحُلم/ تذكّر الإنسانيّة التي بجّلها الله فيك لتحفّزك على حبّ أخيك" وهذه إشارة للحديث النبويّ الشريف "أحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك"، وقد ورد نفس الكلام في التوراة. وكثيرة هي الأمثلة والشواهد على هذا الأسلوب، ولكنّ ذلك لا يعني أنّنا برفقة واعظة حكيمة، بل برفقة شاعرة تعظ وتتدفّق أحاسيسها الطيّبة ومشاعرها الإنسانيّة ومعانيها الجميلة وتنثال لتغدق على القارئ/ المتلقّي/ الإنسان منها، متماهية مع أحلامه ورغباته لبناء عالم من الخير والحبّ والجمال والفرح والسعادة.


مع ذلك فالقصائد لغة وخطابًا تمتاز بكثير من التكثيف والترميز، ممّا يكسبها إيحاءات وظلالًا جديدة تجعل المتلقّي يستجيب لجمالها الأدبيّ ولأفكارها المصطبغة بالنزعة الإنسانيّة الشاملة، فليس المخاطب بالضرورة عربيًّا، أو محدّدًا بحدود جغرافيّة ولا بمواصفات عرقيّة أو دينيّة أو قوميّة، رغم أنّنا مع شاعرة عربيّة تنتمي لأمّتها ولثقافتها ولمناخها الوجوديّ والوجدانيّ، ومع ذلك نفترض معها أو بدونها أنّها تكتب للإنسان الذي يعاصرها ويعيش معها الألم والمعاناة نفسها، ويفترض أن ينشد مثلها عالمًا أكثر جمالًا ونبلًا وعدلًا وفرحًا، ولهذا قلنا أنّ لمثل هذا المتلقّي دورًا في تشكيل القصائد ومضامينها وأفكارها وأهدافها، وبهذه المثابة تنتقل روان الشاعرة/ الإنسان من التعبير عن تجربة تنحصر في ذاتيّتها، إلى التعبير عن تجربة جماعيّة إنسانيّة، تنطلق إلى عالمه الرحيب، أو لنقل إنّ تجربة الذات الفرديّة الخاصّة تنصهر في تجربة الذات الجماعيّة العامّة.