كنوز نت - بقلم :  د. منعم حداد


العيد بين ماضٍ وحاضر!



ينسبون إلى أحد الكتاب الإنجليز المشهورين وهو الكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون مقولة شهيرة عن الصداقة هي أن المدينة الكبيرة تمثل العزلة الكبيرة والعظيمة، فكل واحد يعيش بحاله ولحاله، وقد تعيش إلى جوار امرئ عشرات السنين دون أن تعرف اسمه أو تبادله تحية الصباح او المساء، بينما في الأرياف الكل يعرف الكل والكل يجامل الكل، فالعلاقات الاجتماعية – وكما رآها ابن خلدون أيضاً – تكون في الأرياف وثيقة وحميمية أكثر ألف مرة مما هي عليه في المدينة! 

وما أصدق هذا القول إذ أصبح ينطبق على مجتمعاتنا القروية حالياً والتي تمدرنت وتعصرنت في أكثرها، وذلك على حساب المحبة والالفة والتآخي وحسن الجوار الذي كان سائداً فيها فيما مضى.

ويعزو الكثيرون ذلك إلى النزعة الفردية والوحدانية التي راحت تسيطر في العقود الأخيرة، تبعاً للتغيير الاقتصادي والذي باعد بين الناس وضرب التلاحم والتعاضد في الصميم، فلم يبق من يلبي نداء الاستغاثة إذا سمعه، ولا يمد يد العون والمساعدة إلى من يحتاجه.

في الماضي كان الاحتفال بالعيد يبدأ حتى قبل حلول العيد، فالقرية كلها في هرج ومرج، استعداداً للآتي...

وقلما ينام الشباب في تلك الليلة، إذ كثيراً ما كانوا يقضونها في السهرات واللقاءات الشائقة، ولا يكفّون عن قرع أجراس الكنيسة الليل بطوله... فتردد الأودية والجبال الصدى، وتوقظ النيام...

وفي صباح العيد يبكر المحتفلون بالعيد إلى الكنيسة ليشاركوا في صلاة العيد، فتمتلئ الكنيسة حتى تضيق بهم، ويستمعون إلى الصلاة بطول بال وأناة وشغف وسعادة عارمة!

وبعد انتهاء الصلاة كانوا ينتظرون في باحة الكنيسة، فيعايد بعضهم بعضاً ويتبادلون التهاني والتبريكات، ومن ثم ينطلقون إلى بيوت الأسر "المكسور خاطرها"، أي تلك البيوت التي فقدت عزيزاً عليها منذ العيد الماضي، فيزورونها – والخوري أمامهم – مقدمين التعازي بالراحل العزيز والتهاني بالعيد المجيد.

ومن ثم ينفرط عقدهم ويعود كل منهم أدراجه إلى بيته ليتناول الطعام مع أسرته، ومن ثم ينطلقون لمعايدة الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران، وتهنئتهم بالعيد المجيد...

وكانت الأكثرية الساحقة تسعى لتبادل التهاني مع أكبر عدد ممكن من الأقرباء والأصدقاء والجيران، وكلما ازداد عدد الذين يتم تبادل التهاني معه فهكذا يزداد الشخص – اجتماعياً - رفعة وشأناً ومنزلة!


وقد يتعدى تبادل التهاني القرية نفسها ويمتد إلى القرى الأخرى المجاورة – وحتى البعيدة منها أحياناً – في حال أن كان فيها بعض الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء أو حتى المعارف، وقد تمتد فترة تبادل التهاني إلى ما بعد أيام العيد...

وكما أسلفنا تعصرنت قرى كثيرة وتمدنت... وتغيّرت أساليب الإنتاج ووسائله وأنماط العمل وميادينه، فأصبحت الأكثرية الساحقة من الذين كانوا أسياد نفوسهم مستقلين رافعي الرؤوس شامخيها يعتاشون من عرق جبينهم ومما تدر عليهم حقولهم وأراضيهم من خير وفير – أصبحت الأكثرية العظمى من هؤلاء أجيرين يعملون في المكاتب أو المصانع والمشاغل والأسواق وأماكن العمل المختلفة. وأصبحوا لا يملكون زمام الأمر بل يأتمرون بأوامر القائمين على ورشات عملهم والمسؤولين عنها، ولا يستطيعون تعطيل عملهم إلا بإذن مسؤوليهم، ولا يقوون على عصيان أوامرهم لئلا تطير وظائفهم أو يلحق بهم أذى وخسائر قد لا تعوّض!

وصار بعض الناس يفدون إلى الكنيسة حسب الساعة والوقت، فكلما كان الوقت الذي يكرسونه للصلاة أقصر تكون فرحة هؤلاء البعض أعظم، وهؤلاء يأتون إلى الكنيسة دون رهبة أو هيبة أو خشوع، يشرئبون بأعناقهم يفاخرون بملابسهم، وكأني ببعض النسوة يتبارين في عرض ما يحسن إخفاؤه من أبدانهن والتي لم تخفه "أزياؤهن" المبتاعة من الأسواق الرخيصة على الغالب، ولا ينفكّ الكثيرون عن الالتصاق بهواتفهم النقالة والمحمولة ليوثّقوا كل ما يسمعون وليطيّروا الأخبار والصور إلى حيث قد لا يفطن أحد.

يدخل بعضهم إلى الكنيسة وكأنه داخل إلى مقصف أو ملهى، ولاحتشام عند بعضهن مفقود وقد ضل الطريق عن الكنيسة وهرب مولياً الأدبار كما يهرب الشمع من قدام وجه النار.

واستبدلوا التهاني والمعايدات والتبريكات الوجاهية والمباشرة بالرسائل النصية القصيرة وفي أحسن الحالات برسوم متحركة أو غير متحركة أشبه ما تكون بالمضحكات أكثر مما هي تهان وتبريكات!

أما الكاهن فقد تغير دوره هو الآخر فلم يعد كما كان سابقاً له هيبته وكيانه ورهبته، إذ أن الكاهن بشخصيته "التقليدية" كان يفرض احترامه وتقديره على الجميع، من طائفته أو سواها على حدّ سواء، وذلك بفضل سلوكه المميز وسيرته الحسنة ومعاملته الطيبة للناس، أصبح نادراً كـ"العملة النادرة" وقليل الوجود، والجزء الرئيسي من ذلك التغيير تقع مسؤوليته عليه وحده، وغدا أشبه بموظف "يكر"ّ صلاته على وجه السرعة (وكثيراً ما يختصر ويلطش منها كما يلطش الأموال من كل ما يمكن اللطش منه) ليتفرغ لنهاره وليكسب ودّ أبناء رعيته المسرعين إذ لا وقت لديهم يضيعونه في الاستماع إلى نصائحه وإرشاداته!

أما عظاته فمن الخير والأفضل له أن يحتفظ لنفسه بها، لأنه عاجز عن الوعظ البليغ العميق الجيد لضحالة معلوماته وضآلتها، وتبدو عظاته كمسوخ مضحكة ومثيرة للهزء والسخرة!

وأصبحت احتفالات العيد الرئيسية تقتصر على إضاءة شجرة الميلاد البلاستيكية الضخمة بحضور بعض السياسيين والقادة "المقربين" والمسيرات التقليدية (في سنوات الخير التي لا توجد فيها كورونا) و"أسواق الميلاد" ومهرجاناته المعدة للبيع والشراء والاتجار والارتزاق والتكسب... وأصبحت كشجرة الميلاد البلاستيكية جسداً بلا روح...

ويعيد كل هذا إلى الأذهان بيت المتنبي: عيد بأية حال عدت يا عيد...