كنوز نت - بقلم: شاكر فريد حسن


جبرا إبراهيم جبرا و"البئر الأولى"



جبرا إبراهيم جبرا كاتب وأديب وروائي وناقد تشكيلي فلسطيني، وأحد العلامات الفارقة المتميزة في الأدب الفلسطيني، ومن أكثر الأدباء العرب انتاجًا وتنوعًا، انشغل بالرواية والشعر والنقد، وصدر له ما يزيد عن سبعين مؤلفًا من الانتاجات الأدبية والإبداعية، وقدم للمكتبة العربية سبع روايات، كل واحدة منها تشكل علامة هامة من علامات السرد العربي، وبقيت حتى اليوم مثلًا ونموذجًا في أسلوب الكتابة السردية وانعكاسًا واقعيًا عن العالم العربي. 


و"البئر الأولى" من الكتب التي قرأناها في مقتبل شبابنا وبدايات حياتنا الأدبية، وهو كتاب في السيرة الذاتية، كتب فصوله وهو في العراق، للتأكيد على هويته وخصوصيته الفلسطينية، لأن الكثيرين تعرفوا عليه وعرفوه ككاتب ومثقف عراقي، وكمساهمة في ترميم الذاكرة الفلسطينية المشتتة، وللتأكيد على الظروف الخاصة التي عاشها في طفولته وكانت ظروفًا صعبة للغاية لم تفت في عضده، بل كانت محفزًا لنجاحاته العلمية والأدبية.


وهو يستعيد ويستحضر أيام الطفولة وسنوات حياته الاثنتي عشرة الأولى التي قضاها في بيت لحم والقدس، ويبدأ حديثه عن بيت لحم، حاراتها، أزقتها، أحيائها، شوارعها، ومحلاته، ويذكر أنه كان يقطن هو وأسرته وجدته في حارة بسيطة تسمى " الخشاشي"، ويحكي عن حياة الفقر التي كان يتذمر منها، إذ أنه لم يكن لا يملك الثياب والمأكل، وكان يستحضر صورة يسوع فتهون عليه مصيبته، ثم يتحدث عن عيد الميلاد وطقوسه، ويستذكر حياة الناس الفلسطينيين في تلك المرحلة، ويخص بالذكر حياة المسيحيين وطبيعة معيشتهم والطقوس التي يقومون بها طوال أيام السنة.


وتبرز في الكتاب قدرة جبرا إبراهيم جبرا على وصف وتصوير المكان، حيث يصور البيوت والطبيعة والكنائس والأديرة والحياة الاجتماعية والثقافية في بيت لحم، وكل ذلك بأسلوب سردي رائع، وجمالية فنية، وحس أدبي راقٍ. وبأسلوبه المدهش يجعلنا نشعر وكأننا نعيش أحداث فيلم سينمائي بكل دقة دون الاحساس بالرتابة والملل.


ومن خلال كتابه "البئر الأولى" استطاع جبرا إبراهيم جبرا أن يقدم نموذجًا شديد الخصوصية والثراء للمثقف العربي واتساع دائرة معرفته وثقافته، الذي يعكس ويعبر عن قضايا مجتمعه وعصره، ويسعى إلى التغيير ونهضة الأمة والمجتمع.