كنوز نت - بقلم: شاكر فريد حسن


 العم مدبولي ..!!



لا أظن أن أيًّا من المتأدبين والمثقفين والمهتمين بالكتاب، زار القاهرة لم يبحث أو لم يزر مكتبة مدبولي، الواقعة في ميدان طلعت حرب الشهير، لصاحبها المرحوم الحاج محمد مدبولي، للاطلاع على الجديد في عالم النشر والاصدارات، وهي من أهم وأشهر المكتبات في مصر والوطن العربي على الإطلاق.

في كل مرة كنت أزور القاهرة كنت أنزل في فندق تيوليب القريب من المكتبة، وكنت أقضي الساعات الطوال في تصفح العناوين من الكتب التراثية والأدبية والسياسية والتاريخية والفكرية والمراجع المهمة. وإذا كنت تسأل الحاج مدبولي عن أسم كتاب أو أي عنوان كان يجيبك للتو إذا كان موجودًا أم لا.


لا يوجد قارئ أو مثقف مصري وعربي لم يعرف مدبولي، هذا الرجل الصعيدي الأسمر، الذي كان يرتدي الجلباب، فقد كان له علاقات وثيقة مع غالبية المثقفين من اليسار حتى اليمين.

محمد مدبولي هو رمز كبير من رموز صناعة النشر والتوزيع، بدأ حياته في بيع الصحف والمجلات قبل أن يبيع الكتب على عربة متنقلة صغيرة، ليصبح فيما بعد من أشهر الناشرين المصريين والعرب، حيث عمل على طباعة ونشر الكثير من الكتب المتنوعة والممنوعة، وقام بنشر ترجمات للكتب الماركسية والوجودية ومسرح العبث، واول كتاب نشره هو " دراسات مترجمة عن مسرح العبث"، من تعريب عبد المنعم حنفي، الذي لازمه مدبولي طوال حياته، واشتركا في نشر ما يقارب الثمانين كتابًا مترجمًا.

واللافت أن مدبولي لم يكن متعلمًا، ولكنه كان أكبر معلم في اختيار الكتب والترويج لها، واضطلع بدور هام كحلقة وصل بين الكتاب العرب في المشرق والمغرب وشمال أفريقيا، وحرص على نشر وتوفير الكتب المحظور طباعتها وتداولها في مصر.

وفي كانون الأول العام 2008 مات الناشر الكبير الحاج محمد مدبولي القادم من صعيد مصر، تاركًا وراءه ثروة ثقافية وفكرية من الكتب والمطبوعات، التي تتحدى الرقابة وتخترق المحاذير السياسية والاجتماعية والدينية، وبرحيله خسرت حركة النشر والكتاب أكبر ناشر في مصر والوطن العربي، فله الذكرى العطرة، وسلامًا لروحه الطاهرة.