كنوز نت - د. منعم حدّاد


قــراقــيــش!



جدّي، جدي!
نعم يا بني؟
لقد وعدتني جدتي أن تطعمني قراقوش!
قراقوش يا بني؟
أجل ، قراقوش يا جدي!
إنه وعد ابليس في الجنة يا بني، لأن لا جدتك ولا سواها يستطيع تحقيق وعد كهذا.

ولماذا ياجدي؟

لأن قراقوش لا يؤكل ولا يشرب وقد مات منذ مئات السنين!
إذن بماذا وعدتني جدتي؟
ربما بقرقوش لا بقراقوش!
قرقوش، قراقوش، أليس كلاهما واحد؟
أبداً، أبداً، فقراقوش كان رجلا ومات أما القرقوش فهو يؤكل حقّاً!
هل حقا" مات قراقوش؟
أجل، لقد مات قراقوش الظالم منذ زمن بعيد...
حدثني عن قراقوش وعن قرقوش!
سأحدثك اليوم عن القرقوش يا بني، أما قراقوش فسنرجيء الحديث عنه إلى وقت لاحق!
حسناً يا جدي، هات ما عندك!
ألقرقوش يا بني هو نوع من الخبز، فكما أن ما يسميه جيلكم "بيتا" هو خبز البيت في الأصل، فثمة أنواع أخرى من الخبز، منها الخبز الرقيق مثلا"، الذي يخبز على الصاج.

والقرقوش يا جدي؟

القرقوش يا بني هو خبز رقيق رقيق، يخبز على الصاج، ولكنه لا يصبح قرقوشاً إلا بعد أن يرشّ عليه حبّ البطم الناضج، نيئاً أو محمّصاً، ثمّ يخبز معه على الصاج!
وهل هو لذيذ يا جدي؟
إنه لذيذ جداً...
إذن هل ستطعمني جدتي قرقوشاً...
لا أظنّ يا بني!
ولماذا؟
لأن البطم اختفى وانقرض!
ألا يوجد بطم بعد يا جدي؟

بلى، بلى، لكن يحظر قطف ثماره!
وكيف؟
لأن السلطان احتكره لنفسه، لفرط لذّته، كما احتكر سواه من البقول والنباتات التي وهبها الله لمخلوقاته، وهو يمنع الناس من أمثالنا من قطفه أو حتى تذوّقه!
إذن لا سبيل إلى القراقيش يا جدي؟
لست أدري يا بني!

وماذا تعني؟

أعني أن ننتظر، فلعل الله يفرجها، ولننهج نهج الذي أراد أن يعلم حمار الملك أن يتكلم!
يعلم الحمار أن يتكلم؟ وهل هذا يمكن؟
تقول الحكاية إن ملكاً ربّى حماراً وأمر أن يُعتنى به وكأنه ولد من أولاده، وتعلّق به إلى حدّ جعله يفكّر في تعليمه القراءة والكتابة والحساب والنطق والكلام والسلوك الحسن، وأعلن ذات يوم عن منح جائزة كبرى لمن ينجز هذه المهمّة!
لم يجد احداً يفعل ذلك بالطبع!
بل وجد يا بني!
ومن يكون هذا "المعلم"؟
سمع بالخبر رجل رقيق الحال فقال في نفسه: أحتال على الملك في معيشتي، وقصد القصر الملكي واستأذن على الملك وأُدخل إليه، وبعد ان أدى واجبات الخضوع والولاء استأذن الملك في أن يعهد له بتأديب حماره وتعليمه!
وهل وافق الملك على طلبه؟
طبعاً طبعاً!

وهل علّمه؟
لآ أدري، لكن الرجل اشترط على الملك شرطين وقبل الملك بهما.

وما هما؟

ألأول أن يدفع له مبلغاً من المال مقدما"، وعلى الحساب، لكي ينعم بعيش رغيد هنيء، على حساب الملك وحماره!
والثاني؟
أن يمهله فترة عشر سنين ليعلّم الحمار!
ولماذ كل هذه المدة؟ وهل يمكن للحمار أن يتعلم؟
بالطبع لا!
ولما سألت الرجل زوجته عن هذه المصيبة التي استقدمها على نفسه، وسعى إليها بنفسه، كمن يسعى لحتفه بظلفه، قال لها:
أيتها الجاهلة! ألا تري أن الملك مسنّ هرم؟ وأن الحمار أيضاً هرم وشاخ؟
والمعنى؟ تساءلت الزوجة!
المعنى؟ إما أن يموت الملك، أو أن يموت الحمار، يا جاهلة...