كنوز نت - د. منعم حداد


إياكم وتوحيد الأعياد!



على عكس ما تدعو إليه وتتوق إليه الأكثرية الساحقة من المسيحيين فنحن نرتأي أن نناشد الجميع قائلين ناصحين بل وأيضاً محذّرين: إياكم وتوحيد الأعياد وتوحيد الاحتفال بها وتوحيد الكنائس المسيحية فالخسائر قد تكون فادحة ولا تعوّض!

هي نصيحة خالصة نقية وفية يقدمها قلب وفيّ مخلص صادق وصادرة عن عقل نير مفكر واع يحمل أكثر من ذرة من هموم هذه الطائفة!

ونسدي هذه النصيحة لمن يقبل بها عن طيب خاطر وقناعة ونية صافية، لأنه لو لا سمح الله تمّ التوحيد فلسوف يتسبب حتماً في تكبّد خسائر فادحة وجسيمة لا تعوّض!

وصحيح أن قانون الإيمان يقول إننا نؤمن "بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية" لكن قانون الإيمان قديم جداً ولا بد من التجديد والتحديث و"الحتلنة"!

ويتساءل المتسائلون أحياناً: أيهما أجمل: كنيسة واحدة أم عشرات الكنائس التي تتزاحم وتتنافس على قلوب المؤمنين واجتذابهم بالإغراءات المختلفة – والسخيفة أحياناً- لتبقى الكنائس متنوعة متعددة تماماً كالفراشات التي تنتقل على زهرات الحقول المتعددة الألوان في عزّ الربيع؟

ولو أراد الله سبحانه تعالى أن يجتمع المسيحيون في كنيسة واحدة لكان قد ألهمهم بل ألهم "رؤساءهم ورعاتهم" ذلك!

وبالمناسبة: يا لتعبيري الرعية والرعاة اللذين يطلقونهما على المسيحيين ورجال الدين المسيطرين على مقدراتهم ما أروعهما من تعبيرين، رغم أن بعضاً من هؤلاء الرعاة ليسوا بأكثر من ذئاب مفترسة ووحوش ضارية تنقض على بعض أفراد الرعية الطيبي القلوب والساذجين وتفترسهم!

ومن الخسائر الجسيمة التي قد تنجم عن توحيد الأعياد ما يكمن في تناقص عدد الكنائس المسيحية التي في العالم، فبدلاً من أن تكاد تبلغ المائة كنيسة فسيصبح عددها كنيسة واحدة أو اثنتين على أكثر تقدير، فهل يجوز هذا؟

وعند ذلك فقد يحاسب الله سبحانه تعالى دعاة التوحيد على اقترافهم مثل هذا الجرم الخطير والمنكر ويعلقهم من رموش عيونهم ويلقي بهم فوراً ومباشرة في عذاب الجحيم يكتوون بنار جهنم الحارقة!

ناهيك عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي قد يتسبب بها مثل هذا التوحيد...

وعلى سبيل المثال لا الحصر من الذي سيقوم عند ذاك بالسيطرة والهيمنة على الأوقاف وحتى بيعها ويملك حق التصرف بها؟

ومن الذي سيتصرف بريع الأوقاف ومداخيلها؟


ومن الذي سوف يستغل إيمان المساكين وطيبة قلوبهم والساذجين منهم ليسطو على أفكارهم ويسلب ممتلكاتهم؟

ومن الذي سيتم الاستغناء عن خدماته الجليلة (الجليلة؟؟؟) من الغربيين المستوطنين على مقدسات أرض الشرق الحبيب وبالأخص على مقدسات الأراضي المقدسة؟

فهل يهون عليكم يا دعاة التوحيد أن تذهب جهود الآباء والأجداد الأجانب الذي بذلوا الغالي قبل الرخيص لكي يغرزوا ولو وتداً واحداً في نقطة ما من هذا الشرق الحبيب مستغلين الدين رداء فضفاضاً ليحققوا من خلاله أطماعهم وطموحاتهم الاستعمارية – هل يهون عليكم أن تذهب هذه الجهود سدى وهباء الريح؟

ثم فليسأل كل واحد من دعاة التوحيد والمتحمسين له نفسه: ما الأفضل والأجمل والأحلى: الاحتفال بكل عيد من الأعياد مرة واحدة في العام أو مرتين اثنتين أو حتى ربما ثلاث مرات وأكثر؟

وليس هذا بسؤال من نسج الخيال وإنما قد يكون حقيقة واقعة بالنسبة لجميع "الزيجات المختلطة" والتي ينتمي أحد طرفيها لطائفة مسيحية معينة والطرف الثاني لطائفة مسيحية أخرى!

فمثل هؤلاء يحتفلون في العيد الأول عند أهل أحد الطرفين وفي العيد الثاني عند أهل الطرف الثاني!

فهل ثم أجمل وأحلى وأبهى وأسعد من ذلك: الاحتفال بالعيد مرتين؟

ولسوف يتمسكن المتأجنبون والمتمغربون والمتيوننون والمحسوبون ظلماً وعدواناً على نسل قس بن ساعدة الإيادي وسحبان وائل وغيرهما وأحفادهم والذين لا يحلو لهم إلا التفاخر والتباهي بالتأجنب والتمغرب والتيونن، جاعلين أنفسهم بسطاً ومماسح يفرشونها تحت أقدام أسيادهم الزاحفين فوقها!

فهؤلاء المساكين سوف يصبحون كالأيتام على مائدة اللئام، اللهم إن لم يستبقوا الأحداث ويعودوا لأصلهم وفصلهم قبل فوات الأوان!

هذا غيض من فيض من الخسائر التي لا تعوض والتي ستلحق حتماً بالكنائس المسيحية لو تم التوحيد لا سمح الله!!!

وهل ثم من يقبل لكنائسنا الموقرة والمقدسة أن تخسر أو تفقد شيئاً من هيبتها وعزتها وكرامتها التي يمنحها إياها حسن التدبير وتصريف الأمور ومعالجتها والتي يقوم بها الرؤساء الرعاة الأجلاء؟

لا يا هؤلاء، فليبق التوحيد حلماً جميلاً عذباً يداعب الخيال وأمنية مستحيلة التحقيق!