كنوز نت - د. منعم حدّاد


عمّدوهم بالنار والقار!


ينسب إنجيل متى (3/11) إلى يوحنا المعمدان والذي كان قد عمد السيد المسيح قوله:" أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ". 

وللتعميد بالماء المقدس معان ومعان، أقلها التطهير والتنصير، والتعميد والتطهير بالماء معروفان ومنذ قديم الزمان لدى شعوب مختلفة وفي بلدان عديدة، وأكبر دليل على ذلك كون يوحنا يعمد قبل أن يأتي إليه السيد المسيح لكي يعمده، إذ أن صيته كما يبدو قد طبق الآفاق وبلغ كل مكان.

والتعميد ليس "تنصيراً" فحسب، وإنما أعظم وأبعد أثراً من ذلك بكثير، فهو صقل الروح وتنقيتها والسمو والتسامي والارتقاء إلى المراتب التي تؤهل لاستقبال السيد المسيح ورسالته المقدسة السامية.


ولكن ما العمل وراح البعض – ونقصد بعض الذين يدّعون الأرثوذوكسية – يقلدون الآخرين ويحاكونهم ويستقدمون الرواسب الوثنية و"أرثذكستها" أي جعلها وكأنها من صميم العقيدة الأرثوذوكسية والمذهب الأرثوذوكسي، بينما هي في الواقع وثنية في غاية الوثنية!

من ذلك محاولة تغيير الأسماء وقت التعميد على سبيل المثال وتبديلها، وهذه العادة أو الممارسة مجرد راسب وثني يتسلل إلى المعتقدات الكنسية الأرثوذوكسية في غفلة من رئاساتها اللاهوتية (ربما لانشغالها في بيع الأوقاف وتبديد ريعها والإمعان في كبت طوائفها واستغلالها).

ويندرج تغيير الأسماء تحت أحد ثلاثة أنواع أو أشكال الصراع في الفولكلور العالمي، وهذه الأشكال أو الأنواع هي:

صراع المواجهة: كلقاء الملاك مع يعقوب بن إسحق في معبر نهر اليبوق (الزرقاء الأردني) أثناء عودته من حاران إلى البلاد والصراع الجسدي الذي دار بينهما بحسب الكتاب المقدس...


والنوع الثاني هو صراع الحلول الوسطى، والذي يتنازل فيه الجانب الواحد عن بعض مطالبه من الجانب الآخر ويحصل على جزء بدل الكلّ أو على شيء ما مقابل ما له، على سبيل المثال عملية ختان الصبيان والتي يتم فيها تقديم جزء بدلاً من الكل لإله لا يعلم بوجوده إلا الله...أو كتقديم قربان معين مثلاً بدلاً من طفل سبق أن نذروه للهيكل أو المعبد.

والنوع الثالث هو صراع الخداع أو التضليل أو التمويه أو التحايل والاحتيال، وفيه يقوم الطرف الواحد بتضليل الجانب الآخر إما بتغيير شكله أو الاختفاء والظهور بمظهر مختلف آخر، وأكثر الأمور فيه رواجاً هو تغيير الاسم أو استبداله، فإذا ما جاءت قوى الشرّ والسوء لتؤذي وتتلف وتفسد لشخص يدعى باسم معين أو ذي شكل ومظهر معينين فقد تجد في انتظارها نفس الشخص وهو يحمل اسماً آخر أو شكلاً أو مظهراً آخر يحميه من شرورها ويضللها.

ويبدو أن التعميد وحده ليس كافياً لتنصير البعض وتطهيرهم، وهم بحاجة لتعميد جديد من آن لآخر وللتطهير بالنار وليس بالنار المقدسة، بل بالنار الحارقة وبالقار الذي يغلي على النار لعلهم ينظفون ويتطهرون من رجسهم ومن قذارتهم، لكن هيهات هيهات، فالرجس والنجاسة والدنس يسيرون في عروقهم مع دورتهم الدموية لو كان لديهم شيء من الدم الإنساني، وليس البيولوجي، والذي يتوفر مثله حتى في البهائم والحيوانات.

فأمثال هؤلاء ولدوا في الخزي والعار والشنار والخطيئة، وكبروا وشبّوا على المعاصي والآثام والابتعاد عن كل ما هو خير وذي وقار وهيبة وشرف وخلق كريم، رغم تظاهرهم أمام عيون السذج وطيبي القلوب بالشرف والأخلاق والكرامة، لكن شرفهم مثلوم، وعرضهم موسوم، وكرامتهم مهدورة، وهم أحطّ خلق الله وأسوأهم .

هم لا يحلمون إلا بالكسب بشرف أو بغير شرف، ولا يهمهم مما حولهم إلا بقدر ما يدخل جيوبهم، لا يرعوون عن كذب ودسّ وتزوير واحتيال، ويحاولون الظهور أمام الملأ على عكس حقيقتهم المخزية، وقد يفلحون في الكذب على بعض الأغبياء والمغفلين والساذجين وطيبي القلوب وأصفياء النوايا...

ومن المؤسف أن ينخدع بهم حتى بعض الكبار والمتربعين على عروش المسؤولية وسدد القيادة والرئاسة، "فيأكلون بعقولهم حلاوة" ويكسبون ودّهم وعطفهم ويطعنونهم في ظهورهم بسلوكهم المخزي والمشين.

وهؤلاء يستحقون كل عقاب رادع وقاس، وليس بأقل من تعميدهم بنار جهنم الحارقة، وبالقار الذي يغلي، لعلهم ينظفون ويتطهرون...!
لعلهم...!

وهيهات هيهات...!