كنوز نت - د. منعم حدّاد


مستقبل الثقافة العربية الفلسطينية (4/4)

مسح ميداني


لا بدّ لنا قبل تحديد المسار الذي سنسعى للسير فيه والنهج الذي سوف ننتهجه، للحديث عن مستقبل الثقافة العربية الفلسطينية في فلسطين، من الأمور التالية:

ألقيام بتحديد عناصر الثقافة التي سنعتمدها أساساً ومنهجاً وإطاراً لأي عمل ثقافي مستقبلي، إذ دون تحديد مسبق كهذا ستذهب جهودنا أدراج الرياح، وسيحاول كل واحد التركيز على ما يراه مهماً في نظره، مما يحول دون السير قدماً لبلوغ أيٍّ من الأهداف التي سنضعها نصب أعيننا.

إجراء دراسة ميدانية أو مسح ميداني للإطلاع على المتوفر من عناصر الثقافة ومركباتها كما ستُعتمد، والبحث عنها في مجتمعاتنا وشكل ظهورها وكثافة تواجدها وتواترها وتأصلها في هذه المجتمعات.

إستخلاص العبر مما سيوجد في هذه المجتمعات والإفادة منها إلى أبعد الحدود في بلوَرَةِ الأهداف التي سنضعها نصب أعيننا ونسعى إلى تحقيقها.
إختيار الإستراتيجية والآلية والوسائل المناسبة التي سوف تبلغنا الهدف المنشود في أسرع وقت وآمن طريق وأسلم أساليب.

إعداد الكوادر المناسبة لتحقيق هذه الأهداف وبلوغها.كل هذا من أجل رسم التصوّر المستقبلي الذي نريده للثقافة العربية الفلسطينية، اعتماداً على ماضينا العريق، بوسائل وتكنولوجيات علمية عصرية حديثة، وذلك من خلال نبذ السلبي الغثّ الرديء، وتشجيع الإيجابي الخيّر المفيد.يرى كثيرون أنه لولا الماضي وعبره‏، ولولا الأحلام والسعي لتحقيقها لما تقدمت الإنسانية شبراً واحداً، ولما زالت تراوح مكانها حتى الآن.فلولا أساطير "بساط الريح" الذي ينقل الإنسان من مكان لآخر في طرفة عين، لما اخترعوا لا المنطاد ولا الطائرة، ولولا "البلورة السحرية" التي تنظر إليها فترى ما تريد من عجائب البر والبحر، لما تحفّز الخيال الإنساني لاختراع الرادار والتلفزيون، ولولا "الهواتف" لما تهيّأت العقول لاختراع التلفونات.لذا فمن الضروري العودة إلى تراثنا لاستيحاء ما يصلح ان يكون قاعدة سليمة لبناء عصري جديد، ولاستلهام ما فيه من خيالات وأساطير تحفّز على خلق مستقبل أفضل، وغدٍ أكثر إشراقاً وأعمّ خيراً.لذا، فلتكن هذه القيم والأخلاق الحميدة هي الأساس المتين الذي يقوم عليه بناء صرح ثقافتنا المتجددة، ويستوحي ما فيه من خير وبركة وقيم إنسانية سامية.ولا يعني هذا بالطبع ألا نأخذ إلا ما يناسب أهوائنا وميولنا من وسائل وأساليب، أبداً، بل يجب الأخذ بكل الوسائل والأساليب التكنولوجية والعلمية الغربية والأجنبية، التي تناسب هذا المجتمع وهذه الثقافة، ولنعتمدها، بشكل انتقائي، لتطوير هذه الثقافة ولخلق المستقبل المشرق المنشود.د. 

منعم حدّاد بيبليوغرافيا مختارة
(12 تموز 1997)



وإن لم نجد ما يناسب، فلنخلق الأساليب والوسائل من داخل ما لدينا، محاولين عصرنتها وتحديثها قدر الإمكان، وبمعنى آخر: لا بدّ لنا في تصورنا لمستقبلنا الثقافي من اعتماد ما أشرنا إليه ب"الثقافتين": العلمية والأدبية، فلتكن ثقافتنا العتيدة علمية تكنولوجية، بأوسع وأشمل معنى لهذا التعبير، من حيث أساليبها ووسائلها وأدواتها، ولتكن مما لنا، من تراثنا وثقافتنا الماضية، أدبياً وأخلاقياً واجتماعياً وإنسانياً، لأن فيها من القيم الإنسانية السامية ما لو قسم على أهل الأرض جميعاً لكفاهم!

ولا يعني هذا ان نتقوقع، فلنتثاقف مع كل من هم حولنا، ومع كل ما هو حولنا، ولنحذر من أن نتقوقع في داخلنا، فنحيل ثقافتنا إلى ثقافة أثرية متحفية متحجرة، وحاشا لنا، من الجهة الأخرى، من أن نتنكر للماضي بكنوزه الإنسانية وثرواته الأخلاقية، بل من الواجب استيحاء هذه الكنوز واستلهامها.

نحن في عصر طغت فيه المادة على كلّ شيء، وانهارت القيم والمثل الإنسانية في أكثر أجزائه وأهمها، لكننا ما زلنا في شرقنا هذا، وفي عالمنا العربي بالتحديد، نتعامل مع هذه القيم بالإحترام والتبجيل، إلى حدّ القداسة أحياناً.

أقول هذا لأن الخيال ولو كان جامحاً، لا بدّ له من أن يكون أساساً لأي تطوّر علمي مستقبلي، ولولاه لما حلم الإنسان ان يطأ القمر، ولا أن تحطّ رحاله على المريخ.

فالخيال والأحلام كانا السبب الأهم والدافع الرئيسي في إنجاز الإكتشافات والإختراعات المختلفة، وتطور الحضارة، ولولاهما لما زال الإنسان على أولى درجات سلم الرقي والتحضر.

عبرة الماضي

ولا بد خلال كل هذا بالطبع من عمل الفريق الجماعي المشترك، الذي يضمّ أعضاء من مختلف التخصصات، كل في مجاله وفي مضماره.
ألنويري شهاب الدين بن أحمد: نهاية الأرب في فنون الأدب، ألقاهرة، د.ت. ألجزء الثالث ص. 151-128
زريق قسطنطين:نحن والمستقبل،بيروت 1977،ص. 65 و 139 – 172 وما بعدها.
زريق قسطنطين:مطالب المستقبل العربي:هموم وتساؤلات، بيروت 1983، ص. 24-23"
أحمد زكي بدوي:معجم مصطلحات العلوم الإجتماعية،إنجليزي-فرنسي-عربي بيروت 1986 ص. 92)
مجدي وهبه وكامل المهندس:معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب،بيروت 1984، ص. 129
عبد المنعم الصاوي:عن الثقافة،دار القلم،ألقاهرة 1966، ص. 35-34
جريدة الصنارة التي تصدر في الناصرة،عدد الجمعة 1997-7-4
منعم حدّاد:ألتراث الفلسطيني بين الطمس والإحياء،ألطيبة 1986،ص. 34-5
منعم حدّاد:"نظرة على الثقافة الجماهيرية الشعبية"،في:"ألمجتمع الفلسطيني"،ألطيبة 1990،ص. 161-151