كنوز نت - د. منعم حدّاد


مستقبل الثقافة العربية الفلسطينية (4/3)

...وقضي الأمر!



واسمحوا لي أن أميّز الآن بين فلسطينيي الداخل، وبين الأهل الصامدين في فلسطين، ثقافياً على الأقل، وحاشا أن يكون استعلاء أو انفصالاً أو ابتعاداً...فما نحن غير فرع الدوحة الفلسطينية الباسقة...

لكن الأمر في الميدان الثقافي مختلف تماماً، لأنهم يحسبوننا رسمياً على الأقل، مواطنين إسرائيليين، ولا نملك الخيار ولا الإمكانية للتخطيط لمستقبلنا بأنفسنا.

فالدوائر والأجهزة الرسمية هي التي تخطط لنا وتبرمج، وما علينا إلا أن نقبل ونطيع ونمتثل، تفرض ذلك علينا "مواطنتنا"، و"يزكّيها المزكّون" منّا ...

ومن لا يريد أن يسير في هذا السبيل، فليفعل ما يشاء!

وأسوق أمثلة على ذلك:

لقد عين وزير المعارف السابق في حينه مجلساً استشارياً لشؤون التعليم العربي، ليدرس اوضاع التعليم وليوصي بما يضمن تحسين الوضع ورفع المستوى واقتراح حلول مقبولة للمشاكل التي تواجه مدارسنا.

والتأم هذا المجلس مرات ومرات ومرات، ودرس وناقش وفحص ومحّص...وقدم توصيات مختلفة ليست خارجة عن الإطار...،وطالب ببعض الميزانيات، وكانت النتيجة رفض كل هذه التوصيات... جملة وتفصيلاً، فاستقال مَن استقال من أعضاء هذا المجلس، احتجاجاً على هذا التعامل، وبدلاً من أن يحظى المستقيلون بالتضامن والتأييد لمواقفهم ممّن يهمّهم الأمر، سرعان ما شُكِّل مجلس جديد يضمّ أعضاء جدداً بدلاً من المجلس القديم[1]!

وأقدمت السلطة، منذ سنوات، على "مصادرة" يومين على الأقل من عطل الأعياد للمعلمين المسلمين، وحوالي نصف أيام عطل الأعياد للمعلمين المسيحيين في عدد من المدارس المختلطة في الجليل، ولم يحرّك إلا قلة قليلة ساكناً، وتقاعس "القادة والزعماء" عن القيام بواجبهم، وراح البعض "يعيّد" رأس السنة العبرية بدلاً من الإسراء والمعراج مثلاً، و"يعيّد" البعض الآخر يوم الغفران اليهودي بدلاً من عيد الصليب، ومَن يجب أن يقوم بمسؤوليته عن هذا صار "ملحاً وذاب" كما يقول المثل الشعبي...[2]

ومن يصادر الأعياد بعد المقدسات، ألن يصادر كل شيء أيضاً؟ ألم تصبح ثقافتنا في الداخل "ثقافة سبتية"؟ ألا تتركّز أكثر النشاطات والفعاليات الثقافية والأدبية والاجتماعية لدينا في أيام السبوت؟

ويبدو أننا حصلنا على حقوقنا الثقافية كاملة!!!

فثمة دائرة خاصة بالثقافة العربية، أسوة بدوائر الثقافة العبرية، تبلغ ميزانيتها ملايين الشواقل، وفيها مسؤولون وموظفون، وهي تمنح جوائز التفرغ والإبداع، وتدعم الكتب ذات الطابع المعين أو المؤلف ذا المواصفات المعينة دعماُ مطلقاُ، وتقيم المهرجانات وتنظم الأسابيع والمواسم الثقافية، ومن لا يرغب في الحصول على الدعم منها فلا أحد يرغمه على قبوله، وليقم بنشر إنتاجه على حسابه الخاص، ولينافس في التسويق الكتب التي توزع مجاناً على المكتبات وعلى كل من يرغب في اقتنائها...

وكم كان بودّنا لو أُعلنت على الملأ، ولو مرة واحدة، الأسس والمعايير والمقاييس التي توزع بحسبها الهبات والصلات والأعطيات، ومن الذي يقرر مصير الثقافة العربية ويوجهه ويؤثر فيه، وكيف يتمّ ذلك[3]!

فهل نتحدث، بعد كل هذا، عن ثقافة فلسطينية؟ أو ثقافة فلسطينية-إسرائيلية؟ أو ثقافة فلسطينية / إسرائيلية في الداخل؟

لقد كان من نتائج حرب 1967 التقاء الأهل الفلسطينيين بإخوانهم الفلسطينيين في الداخل، ومن يتصفح ما كان يُنشر في الداخل من إبداع أدبي وإنتاج ثقافي ما بين سنة 1948 وسنة 1967، سيتأكد من أن هذا اللقاء المجدد بين فلسطينيي الداخل وبين إخوانهم، أعادهم إلى نفوسهم وإلى ذاتهم، وقوّى انتماءهم الوطني وعمّق شعورهم القومي، وأعاد إليهم هويتهم، ولربما لو لم يتم هذا اللقاء لكان بينهم اليوم من يتخبّط في تحديد هويته!

وما أريد أن أقوله هنا هو ان سمات الثقافة العربية الفلسطينية في داخل إسرائيل تُحدّد معالمها الأحداث العالمية المختلفة التي سبق أن أشرنا إليها، وبشكل مباشر تتحدد حسب الأحداث والأوضاع التي تمرّ بها إسرائيل والمنطقة، وربما ما يدور في داخل إسرائيل أكثر من سواه، لأن هذه الأمور تنعكس على الفلسطينيين في إسرائيل وتؤثّر فيهم أكثر من أي أمر آخر.

ولنفرض عبثاُ، وعلى سبيل المثال فقط، أن التمييز العنصري والقومي ضدّ الفلسطينيين في داخل إسرائيل انتهى تماماً، وأن الفلسطينيين في إسرائيل أصبحوا يتمتّعون بكامل الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسواها، مثلهم مثل المواطنين اليهود تماماً، وتساوت فرص التشغيل والتوظيف أمام الفلسطينيين، وضُمِنَت لهم حرية السكن والتنقل والتعبير وكافة الحريات الأخرى كاملة غير منقوصة، وحصلوا على نسبة حقيقية من التمثيل في مؤسسات الدولة، وشاركوا في الحكم وإدارة شؤون البلاد، وأصبح منهم الوزراء والقادة، تماماً كاليهود في أمريكا مثلاً، فلو حصل مثل هذا الأمر، فأي نسبة من الفلسطينيين ستعتبر نفسها عند ذلك فلسطينية قبل أن تعتبر نفسها إسرائيلية؟


وبالاختصار، نرى ان مدى "فلسطينية" ثقافتنا في داخل إسرائيل تعتمد إلى حدّ بعيد على الأحداث العامة التي ستؤثر على العالم أجمع، وعلى الشرق الأوسط بشكل خاص، وتتأثر بشكل رئيسي بالكيفية التي ستعاملنا بها السلطة الإسرائيلية على جميع الأصعدة: سياسياً وقوميّاً واجتماعيّاً واقتصادياً وثقافياً!

وهذا الوضع لا ينطبق طبعاً على الأهل في فلسطين، لا في مناطق السلطة الوطنية، ولا في المناطق التي ما زالت تحتلها إسرائيل، فالوضع هنا مختلف تماماً.

(يتبع)
[1] جريدة الصنارة التي تصدر في الناصرة،عدد الجمعة 1997-7-4
[2] راجع:منعم حدّاد:ألتراث الفلسطيني بين الطمس والإحياء،ألطيبة 1986،ص. 34-5
[3] راجع:منعم حدّاد:"نظرة على الثقافة الجماهيرية الشعبية"،في:"ألمجتمع الفلسطيني"،ألطيبة 1990،ص. 161-151