كنوز نت - بقلم: شاكر فريد حسن


             

مفيد صيداوي و" سرّ الغزالة "



عرفنا مفيد صيداوي منذ نصف قرن، يكتب المقالات السياسية والفكرية والادبية والتربوية ويراجع الكتب، ويدوِّن الإضاءات النقدية، وينشرها في صحيفة " الاتحاد " ومجلتي " الجديد " و" الغد " المحتجبتين منذ سنوات، وفي مجلة " التقدم " للمعلمين وفي مجلة " الإصلاح " التي يرأس تحريرها، وفي مجلة " شذى الكرمل " الفصلية وسواها من الدوريات الأدبية.

وبين حين وآخر كان مفيد يطل علينا بمقطوعات نثرية وومضات شعرية موقعة باسم " ابن الخطاف "، وكانت محاولات إبداعية متواضعة جدًا، ولكن مع بدء جائحة كورونا والحجر الصحي، كثف كتاباته الشعرية وأصبح يتحفنا أسبوعيًا على صفحات " الاتحاد "بقصائد متنوعة الموضوعات، تؤكد على تطور نوعي في شعريته، شكلًا ومضمونًا، حيث عمل على صقل تجربته وتطوير أدواته بالقراءات والاطلاع على تجارب الشعراء والمبدعين وبالممارسة الدؤوبة.

وتتمحور نصوص مفيد صيداوي الشعرية والنثرية حول الوطن والأرض وقضايا الإنسان الفلسطيني والهموم اليومية والوجدانيات والغزليات إلى الشعر السياسي- الوطني والرثائيات.

وهو في كل كتاباته نجده منحازًا للطبقة العاملة الكادحة ولفقراء الوطن والكون، ملتزمًا بقضايا شعبه، وعلاقته بالجماهير الشعبية وبهذا الوطن علاقة تنم عن رباط حميم وعلاقة جدلية عميقة، تشي بإحساس كبير بالمسؤولية وبرسالة الكلمة والادب.

وما يميز كتابة مفيد صيداوي الشعرية البساطة والوضوح والسلاسة والبعد عن الرموز والغموض، فالكلمة عنده صادقة عفوية شفافة، واللغة طيعة غير متكلفة أو منمقة، وهو لا يفتعل مواقفه الشعرية افتعالًا، بل ينفعل بالحدث ويتفاعل معه، وتكتبه القصيدة رغمًا عنه، تكتبه بدم قلبه وانفعالاته الصادقة وأعصابه المحترقة.

ومن قصائد مفيد الأخيرة التي لفتت نظري وجذبتني قصيدته الرائعة " سرّ الغزالة " المنشورة في صفحة الشعر بـ " الاتحاد " يوم الثلاثاء الموافق 27 تشرين أول 2020، ويحاكي فيها عروس الخطاف، بلده عرعرة، الرابضة كالأسد في العرين. فهي هواه ومهجته، طفولته وشبابه وشيخوخته، عزته وشموخه، روحه وراحته، وغزالته الجميلة التي منحته الوطن الصغير.

إنها قصيدة حُبّ لمسقط رأسه ومربعه ومرتع صباه، تعيد إلى أذهاننا قصيدة جيكور لشاعر الرافدين بدر شاكر السياب، وأناشيد حسين مهنا لقريته " البقيعة "وغيرهما ممن تغنوا بقراهم.

فلنسمع مفيد منشدًا وهازجًا بكل الصدق والتلقائية، بكلمات بسيطة لكنها عميقة بأبعادها، فيقول:


على سَفحِ خطّافها الأحَبّتهُ
تربضُ راضية مرضية
كالأسدِ في العرين
سرّها عرفتهُ من ميلادي
حتى السبعين
********
أبي وامّي هي
هواي وَمَربَعي
سِرّي وَعَلني
هِيَ تفاؤلي وتشاؤمي
هِيَ ترددي وإقدامي
********
العابرون منها مهما بقوا
مهما استمروا

لستُ منهم
وليسوا مني
********
المارون على هامشها
أينما حلوا أو ارتحلوا
لا يشبهونني ولا أشبههم
********
العابرون من واديها
وادي عارة الأجملُ
وادي عارة الأروعُ
والمارون من على سفجها
ومن على تلالها
لا يشبهونني
لأنني ببساطة
لست عابرا مثّلهم
**********
فأنا أملك ما لا يملكون
أنا اعرف ما لا يعرفون
أنا الابن وهم مارقون
أنا أملكُ سِرّ الغزالة
***********
الباقون على سَهلها
على سفحِ خَطّافِها
على تلاها ووديانها
هم الأهل " لا مستودع السر ذائع"
هم مهجتي وكرامتي

لقد استمتعت بقراءة القصيدة التي فاضت بها روح مفيد صيداوي، بما فيها من نبض وتدفق مشاعر تجاه عرين الخطاف، بلده العامرة بأهلها، عرعرة الأبية الشامخة.

التحية الخالصة لأبي إبراهيم، الصديق والشاعر الوطني الإنساني الذي لم يغير مواقفه ودربه السياسي وفكره الأيديولوجي بتاتًا، متمنيًا له المزيد من العطاء والإبداع، وبانتظار مولوده الشعري الأول.