كنوز نت - بقلم الكاتبة أسماء الياس البعنة


                                                                  فَكَرِه تَحَوَّلَت لَوَاقِعٌ


مَا لَبِثْت السَّمَاءَ أَنْ تَلَبَّدَت بِالغُيوم الْحُبْلَى بِالْأَمْطَار ، غَابَتْ الشَّمْسُ ، وعمّ الدُّنْيَا الظَّلَام ، هَطَلَت الْأَمْطَار ، وَهَبَت الرِّيَاح . انْتَظَرَت عَلَى الرَّصِيفِ وَحَيْدَة ، المِظَلَّة هِي الوَحِيدَةُ الَّتِي تَقِينِي مِنْ الْمَطَرِ ، لَكِن الرِّيَاح كَانَت تَعْصِف بجسدي الْغَضّ النَّحِيل . الدُّمُوع تنهمر مِن عينيّ بِسَبَبِ الْبَرْدِ . مَرَّت سَاعَة كَأَنَّهَا الدَّهْر . عَيْنَاي لَا تزالان تَنْظُرَان إِلَى الأُفُقِ ، لَعَلّ الشَّمْس الخجولة تَظْهَر للعلن ، لَكِنَّ تِلْكَ الغيمة العنيدة حَجَبَتُهَا عَن الظُّهُور ، فَهِي مُثْقَلَةٌ بِالْمَطَر ، تُرِيدُ أَنْ تَرْوِيَ الْأَرْض وَالْبِشْر ، أَخَذْتَنِي الْأَفْكَار كَيْف لِهَذَا الْعَالِمِ يَحْيَا دُونَ أَنْ يَعُمَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ أَمْس سَمِعْتُ فِي نَشْرِهِ الأَخْبَارِ عَنْ حَرْبٍ مُحْتَمِلَةٌ ، هَل يُعْقَلَ أَنَّ تَنَشَّب حَرْب عالَمِيَّة ثَالِثَةٌ ؟ وَإِذَا حَدَّثَ هَذَا فعلاً مَع إنَّنِي اُسْتُبْعِدَ ذَلِكَ ، فَكَيْف سَتَكُون النِّهَايَة لفيلم الْحَيَاة ؟ النِّهَايَة ؟ مَا أَصْعَبُهَا مِنْ كَلِمَةٍ ! النِّهَايَة تَعْنِي الْمَوْت وَالسَّوَاد وَالصَّمْت ، لَن يَعُود اللَّوْز يَزْهَر ، وَلَا الطُّيُور تَغَرَّد . . . وَالْإِنْسَان سَوْف يُعْلِن عَنْ نِهَايَةِ النِّهَايَات ، عِنْدَهَا سَوْف يُسْدِل السَّتَّار عَلَى مَأْساة إنْسَانٌ دَمَّر الْكَوْن . أَعْجَبَتْنِي الفِكْرَة ، فَكَرِه إنْتَاج فِيلْم ! سَوْف أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ "مأساة الْقَرْن الْوَاحِد والعشرين" ! لكِنَّنَا نَحْتَاج كَاتِبًا قديرا ، وسيناريست مُتَمَكِّنٌ ، وَكَاتِبٌ حِوار بَارِعٌ . سَوْف أَتَحَدّثُ مَعَ أَدْهَم وَأَطْرَح عَلَيْهِ هَذِهِ الفِكْرَة ، سَيَقُول لِي بِلَا شَكٍّ بِأَنِّي عَبْقَرِيَّة زَمَانِي ، رُبَّمَا هَذِه الفِكْرَة لَمْ تَخْطُرْ عَلَى بَال أَحَدٌ ليكتَب فيلما نطرح مِنْ خِلَالِهِ فَكَرِه جَدِيدَة ، الْكَوْن يَتَحَوَّلُ إلَى أَشْلَاء مبعثرة . هَل يُعْقَلَ أَنَّ تَنْتَهِيَ هَذِه الْمَسْرَحِيَّة ؟ (أقصد الْحَيَاة بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ بَشَرْ وَحَيَوَانٌ وَنَبَات وحجر) ، لَكِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مُخِيف ، نَعَم مُخِيف جِدًّا . لَكِن الفِكْرَة فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْجُنُونِ ، أَعْلَمُ ذَلِكَ ، كُنْت أَسْأَل نَفْسِي وَأُجِيب فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ ، وَحَتَّى يَتَّعِظ الْإِنْسَانِ أَوْ يَأْخُذُ الْعِبَر ممّا يَحْدُثُ مِنْ وَيْلاَت وَحُرُوبٌ ، يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مَا إنْ يُقْرِعَ نَاقُوس الْخَطَر ، هَل كَلَامِي مَعْقُول ؟ نَعَم مَعْقُول جِدًّا . . . أَعْلَمُ ذَلِكَ .

لَكِن لَحْظَة . . . مِن الْمَسْؤولُ عَنْ كُلِّ الّذِي يَحْصُلُ بعالمنا مِن أَزَمات . . . مِن حُرُوبٌ وَقِتَال واستهداف . . . اِسْتِهْداف الْإِنْسَانِيَّة الطَّبِيعَة البِيئَة الَّتِي أَصْبَحَتْ تعاني ظَلَم الْإِنْسَان . . . مَنْ أَنْتَ أَنَا ؟ هُو ؟ نَحْن ؟ مِن ؟ سُؤَال أُرِيد الْإِجَابَة عَلَيْه . أَنَا أَقُولُ لَكُمْ مِنْ هُمْ ؟ إلَّا تَعْلَمُونَ مِنَ هَؤُلَاءِ ؟ أَنَّهُمْ مِنْ يَجْلِسُونَ عَلَى كَرَاسِي الْمَجْد !

أَنَّهُم زُعَمَاء الْعَالِم الْحُرّ ، هُمْ مِنْ فِي أَيْدِيهِمْ الْقُوَّة . . . التَّأْثِير عَلَى الِاقْتِصَادِ . أَنَّهُم يَسْتَطِيعُون بأسلحتهم المتطورة إِخْضاع أَضْعَف الدُّوَل ؛ لِتَكُون تَحْت سيطرتهم . يدّعون الْحُرِّيَّة ! نَعَم أَعْلَمُ ذَلِكَ ؛ لَكِن أَعْمَالِهِم تَنْفِي مَا يَدَّعُونَهُ ، الْإِجْهَازُ عَلَى الشُّعُوب الْفَقِيرَة ، مُصَادَرَة أَرَاضِيهِم . . . خَنْق حرياتهم . . . ادعاءكم بَاطِلٌ لَن نصدقكم بَعْدَ الْيَوْمِ .


هَذَا الشَّيْءَ جَعَلَنِي أَقِف دَقِيقَةٌ صُمْت . أُحَاوِل مِنْ خِلَالِهَا أَنْ أُعَوِّدَ إلَى الْوَرَاءِ . . . إلَى الْمَاضِي السحيق ، يَوْمٍ كَانَ الْقَلْبُ عَلَى الْقَلْبِ ، يَوْمٍ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ هِيَ رَأْسُ الْمَالِ ، مَاذَا يُحَدِّث الْيَوْم ؟ انْحِطَاط بِالْأَفْكَار . . . بِالتَّصَرُّف . . . قُلُوبٍ لَمْ يَعُدْ فِيهَا حُبٌّ . . . غَادِر بِلَا رَجْعَة ، الجَشِع . . . الرَّكْض وَرَاء الْمَادَّة . . . أَغْلَب الْحُكُومَات فَاسِدَةٌ . . . مهمتهم الْأُولَى كَيْفَ يَصْنَعُونَ لِأَنْفُسِهِم أَمْجَادٌ ؟ والشعوب المقهورة تَبْكِي عَلَى حَظَّهَا الْأَسْوَد .

بَيْنَمَا كَانَت أفكاري سَارِحَة . . . جَاء حَبِيبِي وضمني بِيَدَيْه . . . تَأَسُّف لِتَأَخُّرِه ، فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ اختناقات مرورية أَثَر حَادِثٌ طُرُق ، كَانَ الْغَضَبُ بَادِياً عَلَى وَجْهِهِ ، لَكِن ابتسامته كَانَت تَلُوح عَلَى شَفَتَيْه ، فَصَارَت مَحَبَّتِه سِرّ سعادتي رَغْمَ مَا مرّ بحياتي مِن أَزَمات كَادَت تُمِيتُنِي ، لَكِن وُجُودَهُ هُوَ الَّذِي أعادني لِلْحَيَاة ، كَلِمَةً مِنْهُ كَانَت مِفْتَاح النَّجَاة ، النَّجَاةُ مِنْ الْأَهْوَالِ الَّتِي تَمُرُّ بِحَيَاة كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ، لَكِن عِنْدَما يَكونُ الْحَبُّ متواجداً فِي حَيَاتِنَا ستزول مِن دروبنا كُلّ العَقَبَات .

أَخَذَنِي بِيَدِه وَدَعَانِي حَتَّى نَشْرَب شَيْئًا دافئاً ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سنفكر بِاَلَّذِي نَفْعَل . . . مَحَبَّة حَبِيبِي هِيَ كُلُّ مَا أُرِيدُ .

أَخْبَرَتْه بِمَا دَارٍ فِي رَأْسِي مِنْ أفْكَار عِنْدَمَا وَصَّلْنَا لِذَلِك الْمَقْهَى . بَعْدَ أَنْ جَلَسْنَا بَدَأَت أَتَحَدّث مَعَهُ عَنْ تِلْكَ الفِكْرَة . . . قَالَ لِي هَذِهِ فَكَرِه رَائِعَة . اِبتسَمَت وَقُلْت لَهُ حبيبتك تَأْتِيَك دَائِمًا بِالْأَفْكَار الَّتِي لَا تَخْطُر عَلَى بَال أَحَدٌ . بَعْد فَتْرَةً مِنْ الزَّمَنِ وَبَعْدَ أَنْ تَعَاقَدْنَا مَع كَاتِب أَفْلاَم ، عَرَضْنَا عَلَيْهِ الفِكْرَة ، بَعْدَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ تَحَوَّلَت الفِكْرَة لَوَاقِعٌ . فِيلْم يَتَحَدَّث عَن مَأْساة إنْسَانٌ الْقَرْن الْوَاحِد وَالْعِشْرِين رَغِم كُلّ التكنلوجيا والصراعات الَّتِي فَاقَت الْخَيَال ، لَكِنَّه ينقصنا شَيْءٌ وَاحِدٌ هُوَ السَّلَامُ .