كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


  • ليس كُلِّ مَنْ يَحْكُمُ قائداً، لكِنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قادَ فَحَكَمَ وعَدَلَ!

سَّلامٌ عَلَيكُمْ ورَحْمَةٌ وبَرَكاتُ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ!

 قَوْمِي الغَالِيُ والمُحْتَرَمُ ...أنْتُمْ الشَّبابُ والمُبْتَغَى، أنْتُمْ الوَحْيُّ والإلْهامُ، ومِنْكُم نَسْتَمِدُّ الطَّاقَةَ والعَمَلَ وَالكِفاحَ في حَياتِنا، وَسَأكْتُبُ لَكُمْ اليَوْمَ كَلِماتٍ أُصَرِّحُ فِيها، أَنَّنِي بِكُم أرْفَعُ رَأْسِي وأفْتَخِرُ، وأَعُودُ أتَذَكَّرُ وإيَّاكُمْ أمْجادً، هِيَ فَخْرٌ وَرُمُوزٌ لا يَغِيبُ بَرِيقُها وَضِياءُها، ما دامَتْ تُشْرِقُ الشَّمسُ كُلَّ صَباحٍ.
 أيُّها الأَعزاءُ علىَ قَلْبي، أبدأُ كَما في كُلِّ بِدايَةٍ وَأُذَكِّرُ؛ إنَّ الأُمُورَ تُقاسُ بالإنْجازاتِ علىَ الأَرْضِ وَلَيْسَ بالأقاويلِ، وَهُنا حَيِّزٌ كَبيرٌ واسِعٌ هوَ ألأَعْظمُ لَنا، عِنْدَما طَلَبا إِبْراهيمُ وإسماعيلُ عَلَيْهِِما السَّلامُ مِنْ اللهِ، فلَبَّى نِداءَهُما:... "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، فَكانَتْ دَعْوَتُهُما مُسْتَجابَةً، هِيَ نِداءُ أنْبِياءٍ، حِرْصً مِنْهُم عَلَىَ مَصِيرِ أُمَّةٍ أرادُوا لَهُمْ الخَيْرَ، بِتَوَجُّهُهُما مِنْ القَلْبِ إلى اللهِ، فَكَيْفَ لا يُسْتَجابُ...! ثُمَّ بَعَثَ اللّهُ رَجُلاً لَهُمْ نبييًّ وَرَسُولاً مِنْهُمْ، وَأَيُّ الرِّجالِ بُعِثَ...! إنهُ محمدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ، إِمامٌ قائدٌ فائِقٌ مُتَمَيِّزٌ، وَعَلاَ وبَرَزَ شَأْنُهُ بَيْنَ الَّذينَ صَنَعُوا التَّارِيخَ وَتَرَكُوا إرْثً وَبَصَماتٍ مُؤَثِّرةً إلى اليَوْمِ هَذا، وَقَدْ حَمَلَ مَسْؤُولَِّيةَ الأَمانَةِ الَّتي أَبَتْ السَّمَواتُ والأرْضُ والجِبالُ أَنْ يَحْمِلْنَها، وَكانَ القَائِدَ المُتَواضِعَ الَّذِي مَا زالَ يَعيشُ إِمَامَاً، مُتَفَوِّقً مُتَمَيِّزً عَنْ المُرسَلِين بِما عَلَّمَنا وأرْشَدَنا وَوَجَّهَنا وَنَهانا، وَمَا زالَ وُجُودُهُ حاضِراً بَيْنَنا دُونَ أنْ يَكُونَ علىَ قَيْدِ الحَياةِ، فَسيرَتُهُ مُتَلأْلِئَةٌ عَطِرَةٌ، وَمَنْهَجُهُ قَائِمٌ دائِمٌ مُلازِمٌ لِحَياةِ كُلَّ مَخْلوقٍ وإِنْسانٍ، ولا تَغِيبُ ذِكْراهُ فِي كُلِّ لِقاءٍ وَمَحْفَلٍ مَهْمَا كانَ، وَهُوَ الضِّياءُ بِلَحْظَةِ وِلادَتِهِ، وَالعامُ الَّذِي فِيهِ أُنْزِلَتْ مُعْجِزَةٌ مِنَ السَّماءِ قَبْلَ الإِسْلامِ، فَحَلَّقَتْ طُيُورٌ حامِلَةٌ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ وَأحْرَقَتْ أبْرَهَةَ الأشْرَمِ الحَبَشِيِّ وَجُنُودَهُ، الَّذينَ قَصَدُوا خَرابَ الكَعْبَةِ رُكْبانَاً عَلَىَ فِيَلَةٍ أَعَدُّوها وَرَوَّضُوها لِلْقِتالِ، ثُمَّ نُسِبَ لَهُ عامٌ هَذا، وَسُمِيَّ مَوْلِدَةُ تَزامُنَاً بِعامٍ إشْتُهِرَ بِعامِ الفِيلِ، فَكانَ التارِيخُ بِفَضْلِهِ عَطِراً مَلِيءً بِالمُعْجِزاتِ والأحْداثِ الَّتي أظْهَرَتْ حَتْمِيَّةَ نُبُؤَةِ رِسالَتِهِ، وتَكْريماً وَتَصْديقاً وَبُشْرَةً أنَّ مُحَمَّدً الرَّسُولُ القَادِمُ المُرْتَقَبُ، وإِبْنٌ مُبارَكٌ بِوِلادَتِهِ، وَهَدِيَّةٌ لبِنْتِ وَهَبٍ، أمِنَةٍ رَضِيَ اللهُِ عَنْها.

وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِخْوتي، كَتَبُوا وَقالُوا فِي سِيرَتِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِنْدَما قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقْتَ فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَ:...."لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ... " إلى أن قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ"؟ قَالُوا: " نَقُولُ خَيْرًا وَنَظُنُّ خَيْرَاً، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ"، قَالَ: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"!

هَذا مَا قَالَهُ بِلَهْفَةٍ دُونَ تَرَدُّدٍ وشَتائِمٍ، وَدُونَ تَعَدِّيٍّ أَوْ سَفْكِ دِماءٍ، إِنَّما بِكُلِّ الأَخْلاقٍ والرُقيِّ وَالحَنانِ والشَفَقَةٍ، وَبكُِلِّ هُدُوءٍ وتَسامُحٍ وعَفْوٍّ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ قادِراً علىَ إذائِهِم لَكِنَّهُ لَمْ يُفَكِّرْ بإسْتِعْمالِ القُوَّةِ وَعَفا، "فَالعَفُو عِنْدَ المَقْدِرَةِ".


 لَمْ يَحْمِلْ عَليْهُمْ الحَبِيبُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ بتاتاً، كأَنَّ نَارَ غَضَبِهِ لَمْ تَكُنْ أَساسَاً، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ أسودً بَلْ صافيًّ لا يَصْلِحُ إِلاَّ أَنْ يكون قَلْبٌ رَؤُوفً، حَنُونً، فَكَيفَ يَغْضَبُ وَيحْتَقِرُ وَيُعادِي وَهُوَ صاحِبٌ أَخْلاقٍ وَرُجُولَةٍ ...وَكَيفَ لا يَعْفُو...! فَسامَحَ ونَطَقَ بِكُلٍ غِيرَةٍ ومَحَبَّةٍ وسَلامٍ، وَبدُونِ حِقْدٍ أَوْ إِحْتِقارٍ : "مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ".

عادُوهُ سِنونً، وَحارَبُوهُ بِالمِثْلِ، وَآتَّهَمُوهُ بِالجُنونِ، وَوَضَعُوا الخَشَبَ فِي طَريقِهِ، وَرَمُوا الحِجارَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَطَّطُوا قَتْلِهِ، إِلاَّ إنَّهُ تَجاهَلَ ونَسِيَ هَذِهِ الصَّفْحَةَ السَّوْداءَ الَّتي أسْتَمَرَّتْ مَا يُقارِبُ الأربَعَةُ عُقُودٍ وأزْيَدُ، إِنَّها أَخْلاقَ الزَّعِيمِ الَّذي لَهُ قَلْبٌ واسِعٌ، يَعْفُو عِنْدَ المَقْدِرَةِ، ولا يَنْطِقُ إلاَّ بالأَخْلاقِ، فَلَمْ يَقْطَعْ الرُّؤُوسَ وَلا الأََشْجارَ، ولَمْ يَهْدِمْ البُيُوتَ، ولَمْ يَفْتِكْ لا بِرَجُلٍ ولا بِشَيْخٍ ولا بِوَلدٍ ولا بِحَيوانٍ، رَحَمَهُمْ جَمِيعَاً وقَدْ أخْلَفْوا العَهْدَ والمُعاهَدَةَ وَقَتَلوا النَّاسَ عَلَىَ غَفْلَةٍ، ومِنْ قَبْلُ أَجْبَرُوهُ عَلَىَ الرَّحيلِ مِنْ بَلْدَةٍ أَحَبَّها أَكْثَر َمِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

ثَلاثُ سِنِينٍ بِها دَعا النَّاسَ سِرّاً وَعُذِّبَ هُوَ وأَصْحابُهُ، مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ومِنْهُمْ مَنْ رَأَى العَذابَ والظَّلامَ ، ثم كانَتْ عَشْر ُسِنينَ دَعا بِها أَهْلَ مَكَّةِ جَهْرَاً بأَمْرٍ مِنْ اللهِ، فَقاطَعُوهُ وأَهْلَهُ وأَصْحابَهُ، ولمُ يُبْقُوا لَهُمْ سِوَى وَرَقِ الأَشْجار ِ طَعاماً وغِذاءً، حَرَمُوهُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى ضاقَتْ الأََحْوالُ، لَكِنَّه لَمْ يَيْأَسْ وأَسْتَمَرَّ يَدْعُوهُمْ خَوْفاً عَلَيْهِمْ مِنْ عَذابِ اللهِ، وَكانَ أَخَرَ مِنَ خَرَجَتْ قَدَماهُ مِنْ على تُرابِ مَكَّةٍ، فَنَظَرَ صلَّىَ اللهُ عَلَيهِ والْتَفَتَ إلَيْها وَقَالَ: (أَنْتِ أَحَبُّ بِلاَدِ اللهِ إلى اللهِ، وأَنْتِ أَحَبُّ بِلاَدِ اللهِ إليَّ، فَلَوْ أَنَّ المُشْرِكينَ لَمْ يُخْرِجُوني لَمْ أخْرُجْ مِنْكِ)، هَذا مَا قالَ بَعدَ عَداءٍ سِنِينٍ مِنَ القِتالِ فَجاءَ فاتِحَاً ثمَّ عادَ بَعْدَها إِلى مَقَرِّهِ في المَدينةِ مُوَدِّعاً ناطِقَاً: (مَا أَطْيَبَكِ من بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إليَّ! وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ؛ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ).

هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ الأَخْلاقِ الَّتي تُمَيِّزُ القَائِدُ، الرَّجُلُ المُحِبِّ، الغَيُورُ على مَصْلَحَةِ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، الإِنْسانُ الَّذي لا يَحْقِدُ، وَالمُحِبُ للعَطاءِ والتَضْحِيَةِ، والَّذي بَقِيَ عُقُوداً يُعَلِّمُ ويَنْصَحُ وُيطَبِّقُ مَا يَراهُ صَحِيحاً، وَيَحِثُ مِنْ أَجْلِ مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ، وَتَرَكَ لَهُمْ سُنَّةً وقالَ لَهُمْ مِنْ بابِ التَأْكِيدِ وَحِرْصَاً عَلَيْهِمْ: " تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أبْدَاً، كِتابَ اللهِ" وَجِيءَ بِقَوْلٍ أَخَرٍ "تَرَكْتُ فِيْكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً ، كِتابَ اللهِ وَسُنَّتِي".
نَصيحَتي الرُّجوُعُ إِلى التَّاريخِ الَّذي لا يَكْذِبُ، تَمَسَّكُوا بِما يُفيدُكُمْ! إِخْتارُوا أَجْمَلَ الأَحْداثِ! إِنْتَقُوا أَحْسَنَ الأَلْفاظِ ِوالكَلامِ! وَآتَّبِعُوا قائدَكُمْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ!

وفَّقَنا المَوْلَى وَحَبَّبَنا بِبَعْضِ إِنْ شاءَ اللهُ في سَبِيلِ الحَقِّ والإِيمانِ!
وَالسَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ وَمِنْهُ التَوفِيقُ!