كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


هذا الكتاب: أسطورة "الشريعة الشفوية"! 


يتكون الكتاب المقدس أو التوراة من ثلاث مجموعات رئيسية من الأسفار المقدسة، هي التوراة والأنبياء و"الأسفار الكتابية"(أو "الكتب")، وما ينسب للنبي موسى تأليفه منها هو أسفار التوراة الخمسة وهي التكوين، الخروج، العدد، اللاويون والتثنية.

وحسب العقيدة اليهودية فإن "الشريعة" التي تتضمنها هذه الأسفار الخمسة أعطاها الله سبحانه وتعالى إلى النبي موسى عليه السلام على جبل سيناء، في عيد العنصرة أو عيد "نزول أو إعطاء التوراة" كما يسمونه!

وتعتبر هذه الأسفار الخمسة وبقية أسفار العهد القديم هي هي التوراة أو "التوراة المكتوبة"، بخلاف التوراة الشفوية، تلك المقصود بها التوراة أو الشريعة الشفوية التي أعطاها الله لموسى على جبل سيناء بالتزامن مع إعطائه التوراة المكتوبة كما قالوا...!

والتوراة الشفوية كما تقول ويكيبديا هي "مجموعة فتاوى وأحكام وأساطير وحكايات وخرافات وُضعت لشرح وتأويل أسفار العهد القديم وتناقلها حاخامات اليهود شفهياً على مدى قرون طويلة ثم جُمعت ودُوِّنت، في القرن الثاني الميلادي، في التلمود. وهو مصطلح حاخامي لمجموعة التفسيرات والتشريعات غير المدونة في التوراة المكتوبة، أو تلك التي تم تعديلها بواسطة الحاخامات، ويعتقد الحاخامات بأن موسى تلقى التوراة المدونة في جبل سيناء، مع تفسير وصاياها شفهيًا... في عصر الحاخامات تم إصباغ التوراة الشفوية بالقدسية"

هذا الاعتقاد سائد منذ قرون وقرون ويعتبر البعض هذه الشريعة الشفهية ليست بأقل أهمية من الشريعة المكتوبة، وأن الشريعة المكتوبة لا تكتمل إلا بالشريعة الشفهية لأنها تكملها...!

ويروى أن هذه "الشريعة" تسلمها النبي موسى مباشرة من الله مع الشريعة المكتوبة، وسلمها ليشوع بن نون ليسلمها من بعده للذين خلفوه في قيادة الشعب ورئاسته!

وتضيف "ويكيبيديا" أن الشريعة الشفهية התורה שבעל-פה هي اصطلاح يتضمن كافة التفاسير والقوانين والنظم غير المكتوبة والتي في التوراة المكتوبة، والتي انتقلت بواسطة الرواية (الشفهية) والتقاليد أو جددها "الحكماء"(الحاخامون)، ويعتبر هذا الاصطلاح استمراراً للاصطلاح الفريسي الذي ساد وانتشر خلال فترة الهيكل الثاني في روايات الآباء، وكان سبباً رئيسياً للخلاف / الانقسام بينهم وبين الصدوقيين ابتداء من فترة תקופת הגאונים, وهذه الشريعة الشفوية هي أساس الخلاف بين اليهودية الربانية (الحاخامية) واليهودية القرّائية.


وبحسب "الحاخامين" تسلم موسى الشريعة المكتوبة على جبل سيناء، مع شرح وتفسير وصاياها / أوامرها شفهياً. ومنذ ذلك الحين كانت تنتقل من "المعلم للتلميذ" جيلاً بعد جيل بطريقة تقليدية (رواية شفهية) وانتشرت بشكل شفهي تماماً، ولم يتمّ تلخيصها كتابياً إلا لأهداف شخصية، ومرت الشريعة الشفهية خلال عصر "الحاخامين" بعملية قوننة رسمية، وفي مرحلة معينة تم السماح بتدوينها كتابياً أو توثيقها لكي لا تنسى.


وثم خلاف قديم ما زال مستمراً حتى أيامنا هذه حول وقت تدوين مؤلفات فترة الحاخامين المقوننة وتوثيقها كتابياً، وعلى كل فمتفق عليه بأن ممارسة الحفظ غيباً لتقوية الحفظ عن ظهر قلب كان عاملاً مركزياً للتعلم والدراسة.

ويزعم "الحاخامون" أنه يستحيل فهم التوراة (الشريعة المكتوبة) أو شرحها أو الامتثال لوصاياها والعمل بها بدون التوراة الشفهية، والتي أعطيت لـ"الحاخامين"!


ولذا فقد جاء هذا الكتاب كتاب מיתוס התורה שבעל - פה لهدف – كما قدموا له – أن يثبت أن إله إسرائيل لم يعط لموسى الشريعة الشفهية، وإنما فقط تلك المكتوبة، ولم تسلم تلك الشريعة (الشفهية) للحاخامين وإنما سلمت للكهنة المتحدرين من نسل هارون الكاهن!!!


وجاء في مقدمة الكتاب ما معناه أن الشريعة الشفهية "تسلمها موسى في سيناء وسلمها ليشوع، ويشوع (سلمها) للشيوخ (قادة الشعب في حينه)،و(سلمها) الشيوخ للأنبياء، و(سلّمها) الأنبياء لرجال المجمع العظيم (לאנשי כנסת הגדולה) كما يزعمون وهذا زعم باطل.

ويعتمد هذا الكتاب على دراسات حديثة قام بها عشرات باحثي الكتاب المقدس والمؤرخين وعلماء الآثار، وأكثرهم يهود إسرائيليون، وهو يعدد الأخطاء الشائعة التي نشرها الحاخامون (الربانيم) خلال السنين الأخيرة في مؤلفاتهم، ومحاضراتهم و"مواعظهم"، ويكذّبها ويكشف زيفها والأخطاء المنطقية التي وراءها، ويشير إلى أن وجود شريعة شفهية غير معقول، ليس توراتياُ ولا تاريخياً ولا منطقياً، كما ويستعرض الكتاب المصادر والدوافع والمسببات الحقيقية للشريعة الشفهية.


ومؤلفا الكتاب هما الدكتور إيثان بار، ويحمل اللقب الأول في دراسات التوراة، واللقب الثاني في اللاهوت (الثيولوجيا) والدكتوراه من السمينار اللاهوتي في دالاس.

ويشاركه التأليف الدكتور جولان بروش، من كيبوتس المالكية، ويحمل اللقب الأول المزدوج في التربية والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، واللقب الثاني في العلوم الاجتماعية التربوية، والتعليم اليهودي، وشهادة تدريس في الكتاب المقس والحضارة الإسرائيلية ودراسات الكتاب المقدس واللاهوت (ثيولوجيا) والدكتوراه من السمنار اللاهويتي (الثيولوجي) في دالاس.


ومن أبرز ما قيل في الكتاب كلام البروفيسور أفيغدور شنآن: لاهوتنا (ثيولوجيتنا) المعاصر ليس بلاهوت الكتاب المقدس، والشريعة التي نعيش بحسبها اليوم ليست بشريعة الكتاب المقدس، ولا "الحاخامين"، شرائع اليهود، قوانين السبت، قوانين الكشروت (طهارة الطعام) وكل ما يخطر بالبال – هو ليس توراتياً ولا من الكتاب المقدس، إذ لا يوجد في الكتاب المقدس كنيس، وليس فيه (صلاة) ٌقديش" ولا (صلاة) "كل ندري" ولا بار متسفا( طقوس البلوغ)، وليس في الكتاب المقدس "طاليث" (التي يتلفع اليهود بها أثناء الصلاة) وكل ما تعتبره يهودياً لا جذور له في الكتاب المقدس، لأنه من أدب (إبداع) الحكماء حيث بدأ كل شيء هناك!".


والبروفيسور شنآن لمن لا يعرف هو أحد كبار باحثي الأدب العبري والعلوم اليهودية في الجامعة العبرية في القدس.

ويقول البروفيسور يورام أردر، وهو من كبار باحثي العلوم اليهودية في جامعة تل أبيب، ومؤسسات علمية بحثية مرموقة أخرى، "إنه لا يوجد تهديد أعظم على اليهودية الربانية (الحاخامين) من إنكار الشريعة الشفهية كشريعة سُلِّمت إلى موسى في سيناء"!

ومن الجدير بالذكر أن المؤلفين – كما ينشران – قد قاما بتوجيه الدعوة العلنية لأكثر من "حاخام" (راف) لإجراء نقاش علني حول الكتاب ومضامينه – لكن أحداً منهم لم يستجب ولم يلب الدعوة!

(خسارة، "طارت" الشريعة الشفهية التي يعتمد عليها الحاخامون)!