كنوز نت - قراءة : شيرين فاهوم


 في دعاميص المستنقعات :كيوان يقدم لنا واقعنا في صور ساخرة



يحتاج القارئ أحيانًا ألا يتورّط في قراءة رواية طويلة مليئة بالتفاصيل والأحداث ، يلزمه أحيانًا بعض الرحلات الخفيفة السريعة التي تنعشه بمتّعة يتجدّد معها نشاطه الذهني .

دعاميص المستنقعات هي مجموعة قصصيّة للأديب سهيل كيوان صدرت عن مكتبة كل شيء -حيفا تقع في 194صفحة تحتوي المجموعة على 29قصة قصيرة وتبدأ بمقدمة كُتبت بقلم د.فياض هيبي تحت عنوان "سهيل كيوان نحو مشروع أدبي كامل ومتكامل ".

يعتبر الأديب سهيل كيوان من أبرز كُتّاب القصة القصيرة والأدب الساخر في الداخل الفلسطيني وذلك بشهادة الكثير من النقّاد ،يتّبع في كتاباته الأسلوب الساخر والانتقادي الذي يمزج بين الواقع والخيال، يتناول عيوب المجتمع وقصصه تعتبر لوحات إجتماعية من صلب الحياة والواقع ،تمتاز بالتشويق والإثارة والفلسفة والخروج عن المألوف ،وتوظيف السخرية التي تغوص عميقًا في المجتمع ومكوناته، إذ يعتبر الأدب الساخر بالفعل عملًا نقديًّا فلسفيًّا .وهذا يؤكد ما كتبه د.فياض هيبي في المقدمة "لا يمكن في تقديري الحديث عن نصوص سهيل كيوان دون أن تدخل السخرية عميقًا فيه اقولها صراحة بلا تأتأة إنّ كيوان يُعدّ اليوم أبرز كُتاب السخرية في أدب الأقليّة الفلسطينيّة والأدب الفلسطينيّ عمومًا. "

تعتبر العناوين هي أولى العتبات لشد القارئ وهذا ما يتميّز به الكاتب سهيل كيوان إختيار عناوين تستفز وتدفع القارئ للقراءة .

نبدأ من العنوان "دعاميص المستنقعات" وهو عتبة المجموعة والذي أُختير بشكل يُثير الدهشة بقصد التشويق والإثارة ويفتح أمام القارئ عدة تأويلات وتساؤلات، فهو باعثٌ على سؤال المتلقي محرضٌ على تساؤله ويثير لديه حب الاستطلاع والبحث عن معنى كلمة دعاميص الغير مألوفة له .

ترتيب القصص في المجموعة جاء بشكل جذاب ومشوق للقارئ . قصص تُقرأ دفعة واحدة تردفها واحدة تلو الاخرى .

ما أن يبدأ القارئ بقراءة قصة "تفو عليكم "المليئة بالإثارة والفكاهة والتي تدخل الفرح وترسم البسمة وتفتح في نفس الوقت الكثير من التساؤلات امامه حتى ينتقل بسلاسة ودون تردد للقصص الباقية باستمتاع ودون الشعور بالملل ابدًا ليجد نفسه يلتهم الكتاب دفعة واحدة ويصل للقصة الأخيرة "اشتر عمرك بفلوسك "طالبًا المزيد .

سلاسة اللغة وعدم استخدام لغة مبهمة في مفرداتها وتراكيبها والتي تحتاج من القارئ فك شيفراتها ،استعاض الكاتب عن ذلك بالرمزيّة التي يمكن أن تأتي وتؤول من الحدث نفسه ومن نتائجه وتحديدًا من المفارقات البارعة التي يُنهي بها قصصه الباعثة على الأسئلة ،لغته مباشرة دون ابتذالٍ واضحة دون تكلفٍ.

الأسلوب السردي المطعّم بالفكاهة ينعكس من خلال الروح المرحه التي يتحلى بها الكاتب والتي نقرأها بين السطور ببساطة ووضوح . يقتحم حياتنا دون أن ندري كيف فعل ذلك.

ينتاب القارئ الضحك خلال القراءة ومن خلال تلك البسمة التي ترسم يستطيع أنّ يوصل رسالة هادفة .


عالم كيوان يخطفك ويأسرك تدخله فيتملك الإنبهار بأسلوبه اللغوي الفصيح والمطعم بالعاميّة عندما يستدعي الأمر لذلك كذلك الإقتباس والاستشهاد الذي يثري النصّ ، صدقه في الكتابه والشفافيّة في طرح المواضيع .

القصص مليئة بالأفكار فيها من البعد الإنساني والإجتماعي والسياسي الكثير ، والتي تفتح الأبواب أمام القارئ للتأمل فيها وإعادة التفكير من جديد في الكثير من أمور الحياة .

تتناول نقدًا خفيف الظلّ للعديد من الظواهر والسلوكيات الإجتماعية السائدة في عالمنا المعاصر ،وتحاكي واقعنا كتبت بخيال واسع تغوص في مكنونات النفس البشريّة حتى العمق وهنا نلمس قدرة الكاتب الكبيرة على الربط بين الواقع والخيال .

الكاتب ابن بيئته وليس للأديب إلا مكانه وأرضه التي نشأ بها ، وكما قيل أن عظمة الأدب وألقه في محليته أولًا ،نلاحظ إخلاص ووفاء ومحبّة الكاتب سهيل كيوان للمكان والتي دارت أحداث القصص فيها قريته ومدينة عكا الحاضرة دائمًا في معظم قصصه مما يؤكد مقولة للأديب الكبير نجيب محفوظ "الوفاء للأماكن جزءٌ من الوفاء للإنسان " ...

استطاع الكاتب في هذه المجموعة ومن خلال أغلب القصص مثل "تفو عليكم" ،"أريد موقفًا لا زهورًا "،"دمك خفيف إن شاء الله"،"يا أخي احلق شعرك "،"محسوبك من الأمن العام "،"شيخ ازعر"،"نهاية عصر الإتيكيت "،"العمود المعظم"،"ثمن المسدس " ... أخذ الكثير من المفارقات والمشاهد في حياتنا ليعيد انتاجها بطريقة أدبية إبداعية بشكل وصورة ضاحكة وهو يرصد متناقضات الواقع ويقدمها للقارئ صورًا مشهديّة ساخرة بخفّةٍ ورشاقة .
أنصح بقراءة المجموعة القصصيّة "دعاميص المستنقعات" وبشدة وخاصة طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية ومناقشة المواضيع التي تطرحها القصص في حصص التربية لما فيها من فائدة تعود عليهم .

أهنئك الاديب المبدع سهيل كيوان على هذا العمل المبدع

ودمت نجمًا ساطعًا في سماء الأدب
مزيد من الألق والإبداع

ملاحظة هامة جدًا :

لست كاتبة ولا ناقدة أدبية، لكن القراءة جعلت مني قارئة بعين ناقدة استطيع رصد المشاهد التي اقرأها بعين ثاقبة واميز بين الأدب الجيد والأدب الرديء.

تقبلوا مني فائق الاحترام
شيرين فاهوم