كنوز نت - كتب : شاكر فريد حسن



  • هواجس الحب والوطن والحياة والموت في ديوان الشاعرة السورية ميَّادة سليمان الجديد " كَيْفَ أُقْنِعُ العَصَافِيرَ"


للشاعرة السورية المتألقة الأستاذة ميّادة مهنّا سليمان، صدر عن منشورات بعل بدمشق، ديوانها الشعري الجديد الموسوم " كَيْفَ أًقْنِعُ العَصَافِيرَ". 

وضم الديوان باقة من قصائدها الوطنية والوجدانية الحزينة والإنسانية الدافئة، متنوعة المواضيع والأغراض والموتيفات، التي تحمل هواجس الحب وهموم الوطن وعذابات الحياة ودموع الموت، امتدت على 133 صفحة من القطع المتوسط، بطباعة أنيقة وورق بجودة عالية.

وهذا هو الديوان الثالث للشاعرة بعد " تبًا للقرنفل الأحمر، وعناية فائقة للحبّ "، ومجموعتها القصصية " رصاص وقرنفل ".

وجاء في الاهداء" خمسة عشرَ عامًا .. نصيبي من حُسنِكَ/ وَعذبِ صوتِكَ/ وَبراءَةِ ضِحكتِكَ.
إلى تلكَ الروحِ النَّقيَّةِ الَّتي أوجعَ رحيلُها قلبي
إلى ابني يوسف، مَلاكِي في السَّماء
أهدي هذهِ الأحرُفَ المُعمَّدةَ بالحُبِّ ".

وكتب تذييلًا للديوان على الصفحة الأخيرة كاتب هذه السطور شاكر فريد حسن، ومما قاله : " ميَّادة سليمان ترسم لنا لوحة إبداعية جميلة مؤطرة بالإبداع الادبي، وتقدمها وجبة بسهولة ويسر دون تعقيدات وتكلف. فشاعرتنا تبحر فينا بفسيح الخيال، وتجول في فضاء نصوصها الماتعة التي تتجلى فيها الكثافة والعبارة الإيحائية والرمز الشفاف الدال.

وهي تتخذ من الحرف معبدًا ترتل فيه ترانيم الحب، وأناشيد العشق، وفي نصوصها تحمل روحها وتصور فضاءاتها، وترسم مشاعرها الوجدانية وعواطفها الجياشة بريشة شديدة الإحساس، وبلغة أنيقة، وموسيقى شجية وتدفق سلس بلفظها".

ميَّادة سليمان شاعرة رقيقة حروفها كالفراشات، تحمل حقائبها الثقيلة وتملأها بالهموم الإنسانية والذاتية، وقضايا وطنها الجريح. وقصائد ديوانها الجديد تحاكي الوجدان بشاعرية شفافة دغدغتها مشاعر وأحاسيس امرأة مسكونة بالحب والجمال والوطن، وتحمل مفردات ذات معاني عميقة وأبعاد وإيحاءات تترك أثرًا في القلب والنفس المعذبة.

ومن أجواء الديوان هذه القصيدة المؤثرة جدًا التي حملت عنوان الديوان، وكتبت بدمع القلب وعبرات العين، ويطغى عليها الحزن والشجن والوجع العميق، بعد أن رحل وغاب ابنها فلذة كبدها يوسف، حيث تقول :

بعدَ رَحيلكَ
اعتدْتُ أنْ أُقلِّمَ أظفارَ الوقتِ
كلُّ ظِفرٍ
بألفِ عامِ وجَعٍ
وكلُّ وجعٍ بألفِ خابيةِ دَمعٍ..
بعدَ رَحيلكَ
كيفَ أُقنِعُ الشُّروقَ
أَلَّا يرتدِيَ
عباءةَ الليلِ المُطرَّزَةَ بِنُجومِ الأرَقِ؟
بعدَ رَحيلكَ
كيفَ أُقنِعُ السَّماءَ
أنْ تمنَحني تأشيرةَ دخولٍ

كي أعبرَ الغيمَ
وأجتازَ حدودَ الأُفُقِ لِألتقيَكَ؟
بعدَ رَحيلكَ
كيفَ أقنِعُ العصافيرَ
بأنَّها
لم تعُد يتيمةً بعدَكَ؟
وبأنَّ هناكَ طِفلًا ما
سيُهرِّبُ إليهَا
المَاءَ الصَّالِحَ لِلحُبِّ
وبأنَّ هناكَ طِفلًا ما
سينثُرُ لها حُبوبَ الفرَحِ..
بعدَ رَحيلكَ
كيفَ أُقنِعُ وِسادَتي
أَن تمتصَّ دمعي
فلا يفيض كنهرِ وجَعٍ؟
وكيفَ أقنِعُ غاباتِ الحنينِ
بِأنِّي لن أحتطِبَ
شُجيرَةَ شوقٍ صغيرةً
وبِأنِّي لن أُضرِمَ النَّارَ
في أحراجِ الذِّكرياتِ
بعدَ رَحيلكَ
كيفَ أروِّضُ القهرَ
فلا يفترِسُ قصائدي
كيفَ أزجُرُ طيرَ النَّحسِ
عن قبرِ الأمنياتِ..؟
بعدَ رَحيلكَ
كيفَ أُقنِعُ اللونَ الأسودَ
أنَّهُ لا يليقُ بي
وبِأنَّ الحُزنَ كم لبسَ ثوبًا
بِألوانِ قوسِ قُزَحَ!

ميَّادة سليمان في ديوانها هذا، تؤكد على ان الشعر ليس صياغة أفكار جاهزة، وإنما هو تعبير عن خلجات الروح ونبض الشعور والإحساس، وينطلق من أعماق الذات على أرجائها، معتمدة في تعابيرها وجملتها الشعرية لغة الإيحاء وبهاء التشكيل بكثير من الصور والألوان واستعارات جميلة ومدهشة، تكرسها خفقات قلبها الكليم وحزنها الشديد، وبنزعة إنسانية زاخرة بأناقة الحروف وعذوبة الأسلوب ومتانة اللغة وجزالتها، وتدفق الانفعالات والافكار والعواطف الجياشة.

فأصدق التحيات وأجمل التهاني للصديقة الشاعرة الدمشقية ميَّادة سليمان بديوانها الجديد، وأطيب الأمنيات بالمزيد من العطاء والأبداع والتألق والتوفيق، ولها الحياة.