كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


أوراق قديمة : متعة السفر! 


د. منعم حدّاد


منذ أقدم العصور وهاجس خفيّ يحمل الناس على حمل عصا الترحال والسفر، ويحدوهم شوق قاتل في حلّهم وترحالهم ليواصلوا التنقل من مكان لآخر، غير عابئين بما يلاقونه من متاعب ومصاعب، وغير آبهين بما يعترض سبيلهم من عقبات كأداء، فللسفر سحر خاص يغطي على كل هذه ويطغى عليها.
وتعددت الأسفار وتعددت أغراضها، وتنوّعت وتشعّبت، وأدّت إلى هجرات الشعوب وإعادة استقرارها في مناطق جديدة وغريبة، وخلقت التثاقف والتحاضر بين الأمم، وحفظ لنا التاريخ مدوّنات لا تقدر بثمن عن الأسفار والرحلات الخالدة، إن كان لدى الرحالة العرب، كابن بطوطة وابن طفيل وفي رحلات السندباد، أو من رحلات الأدب العالمي وما يتخللها من مغامرات، كحروب طروادة والأوذيسة التي تروي ضياع أوذيس العائد من حروب طروادة وأخبار مغامراته.

ورغم أنه كتب الكثير عن متع السفر وفوائده وبمختلف لغات الأرض، فلا أظنّ أن أحداً سبق في وصف المتع التي يتمتع بها العرب/الفلسطينيون/عرب 48/الاسرائيليون (اختر المناسب أو اختر ما تشاء!) في هذه الديار، فأقلّها أنك تتجوّل في أي بلد تقصده حرّاً طليقاً كما أنت حرّ طليق هنا، لكن هناك لا يسألك أحد عن هويتك، ولا يستوقفك شرطيّ (أو "رجل أمن") ويطلب منك (آمراً؟) إبراز وثيقة رسمية تثبت شخصيتك ليتأكد منها!

كما أنّك تستطيع أن تلقي بحقيبتك كيفما تشاء وأينما تشاء دون أن تثير الشبهات والمساءلات، وأن تدخل أي مطعم أو مقهى بلا تفتيشك بجهاز كشف المعادن، وما إلى ذلك من متع "سخيفة"!


فأنت تشعر هناك أنك حقاً متساوٍ مع الآخرين، ولا أحد يميزك أو يعاملك بشيء من الازدراء ولا الإستعلاء!
لكنك تفقد الكثير من شخصيتك ومن ذاتك، حتى لتكاد تخشى ألا تكون أنت من أنت!
ف"صحن الكنافة" هذا "حدّه آفة"، فلا بدّ قبل أن تسافر وتنطلق في الفضاء الرحب من أن تشعر أنك عربي، وتعاني بسبب عروبتك ما لا يعانيه غيرك من المسافرين!

وتستمتع طوال مدى مكوثك بعيداً عن أرض وطنك، وما تكاد تعود وتهبط في أرض المطار، حتى يسرع المسؤولون أحياناً ويحسنون إليك أيما إحسان، ويوقظونك من أحلامك الوردية ويعيدونك إلى أرض الواقع، وإلى هويتك وإلى عروبتك!

* * *

قديماً كانت النصيحة بجمل، أما اليوم فسأسديها مجاناً وأقدّمها دونما مقابل: فحالما تصل أرض المطار وتبحث عن الدور لتسليم حقائبك، سيتوجّه إليك "مسؤول" لطرح بعض "الأسئلة الروتينية"، وقد يطول الانتظار وقد يطول طرح الأسئلة إلى حدّ أن اقتناص فرصة الانقضاض على السوق الحرة قد تفلت من بين يديك، أو ربما أن الطيارة نفسها تفوتك ولا تنتظرك...

لذا، فلا تنتظر ولو لحظة واحدة، وحالما يتوجّه إليك المسؤول مستفسراً إذا كنت مسافراً أم لا قل له إنك عربي (ليس المهمّ أن تعتزّ بعروبتك أم لا، لأنك سرعان ما ستجد نفسك معتزاً بها حتى وإن لم ترغب في ذلك!) وإنك تستحقّ لأجل عروبتك معاملة خاصة، وإنك لن تغفر له تفويت فرصة الانقضاض على السوق الحرة عليك، وإنه إن حدث مثل هذا الأمر فقد ترفع الأمر إلى أعلى المستويات!

والمسؤول لبيب لذا فسوف يفهم بالإشارة فوراً، وإياك أن تقع في الغلط وتغضب وتتصرف تصرّف غاضب غضبة مُضرية عندما تدعى لتفتيش حقائبك فتزعل وتأخذ على خاطرك وتلغى سفرك، لأنك بذلك قطعاً ستفوّت على حضرتك فرصة ذهبية للاستمتاع بقوميتك وبعروبتك!

فماذا في ذلك لو أرادوا مثلاً التفتيش؟ وماذا إذا ضايقوك قليلاً (أو كثيراً!) في طرح الأسئلة السخيفة؟


أليس هذا من حقّهم؟ أليس حرصاً على سلامتك وأمنك؟ وكيف تريدهم أن يفرّقوا بين المسافر "الصالح" وبين المسافر "الطالح" وأن يميزوا بينهما؟

 بالحدس؟ هل يفتحون بالقهوة؟ أم يستعينون ببصارة براجة؟ أم كيف؟ بحسب لون الشعر والصبغة تغطي على الفوارق؟

أُشكرهم على ما يقومون به، واستمتع بعروبتك، لأنه لولا تذكيرهم إياك بأسلوبهم هذا بعروبتك فلربما تكون قد نسيتها وحسبت نفسك أنك قد أصبحت مواطناً متساوياً تماماً حتى مع رئيس الوزراء نفسه، مثلك مثل أي مواطن ينتمي لأقلية عرقية يعيش في أمريكا مثلاً، أو في أوروبا، ولا يرضى أن ينتقص من حقّه أيّ شيء أو أن يعامل معاملة دنيا، لأن ذلك سيعتبره تمييزاً عرقياً وعنصرية وما شابه...

أما هنا، فلهم الشكر لأنهم يذكرونك بأنك عربي فلسطيني، ولهم الشكر لأنهم أتاحوا لك فرصة الاحتفاظ بهويتك على مدار الأعوام والعقود، إذ لو عومل الفلسطينيون في إسرائيل في الماضي كما يجري التعامل مع أبناء الأقليات العرقية المختلفة في الدول الغربية المتحضرة لكانوا ربّما قد نسوا أنهم فلسطينيون، أو أنهم عرب على الأقل، لذا فاشكرهم واجزل الشكر!
* * *

وترى، هل تريد أن تكون إمّعة؟ فمن يريد ذلك فهنيئاً له، أما أنا فلا أريد!

وهل رأيت الناس يحسبون لمن كان من "أطراف الناس" أيّ حساب؟ هل يلاحقون من لم يكن ذا شأن، وشأن كبير؟
إفرح وتهلل لأنك تثير الشبهات والشكوك حولك، وتخيف حتى دون أن تدري أو تقصد ذلك بدل أن تخاف!
أجل، إفرح وتهلل لأنك تخيف ولا تخاف، كما حدث مع ذلك الرجل إياه!

وما زلت أذكر أنه في الفترة الواقعة ما بين حرب سنة 1948 وبين حرب 1967 (والمعذرة لأنني أستخدم الحروب للتقويم، فتاريخ هذه البلاد إن هو غير فترات هدوء قصيرة تتخلل الحروب الضروس المتتالية) كانوا يسمحون للمواطنين المسيحيين بزيارة الأماكن المقدسة في مدينة السلام، القدس الخالدة التي لم تنعم يوماً بالسلام، ليحتفلوا بعيد الميلاد المجيد، كما يسمح اليوم للمواطنين المسلمين بالسفر إلى الديار الحجازية لأداء فريضة الحج والعمرة فيها.
وكان من الطبيعي كما في كلّ زمان ومكان أن ينال البعض الرضا والقبول وتصاريح السفر على أطباق الذهب والفضة، وأن ترفض طلبات البعض ويحرم هؤلاء من السفر.

وحدث ذات مرة أن رفضوا طلب أحدهم الحصول على تصريح للسفر، وعاود الكرة وتقدم بطلب جديد، ورفض طلبه الثاني والثالث والرابع...إلى أن ضاق ذرعاً بالأمر، واشتكى واعترض ورفع الأمر إلى كبار المسؤولين.

واستدعي لتقديم ادعاءاته في حضرة مسؤول كبير، ومثل الرجل بين يديه وقدّم مرافعته التي كان قد أعدّها كأفضل ما يمكن، والمسؤول ينظر إليه...
ولما فرغ من مرافعته قال له المسؤول:

• رغم بلاغتك ورغم كل ما قدمته من أسباب وطرحته من مسوغات ومبررات فلن نمنحك التصريح بالسفر!

• هلا أفصحت لي يا سيدي عن سبب رفض طلبي...سبب الرفض على الأقلّ؟

وكان المسؤول قد استأنس بالرجل واستلطف حديثه، وعزم على مصارحته، فقال له:

• إننا نرفض منحك الإذن بالسفر لأنك تشكّل خطراً!

• أشكّل خطراً؟ أنا يا سيدي؟ وعلى من أشكّل خطراً؟

• أجل، إنك تشكّل خطراً، كما في سجلاتنا، أما الثانية فواضحة كنور الشمس!

وانطلقت أسارير الرجل ساعتئذ، وشعر بفرح عارم وبغبطة وسعادة لم يعهدها من قبل، فتمطى وبسط ذراعيه إلى الجانبين، ونفخ كرشه إلى الامام و"نفش ريشه" كديك الحبش الرومي، أو كطاووس شاهنشاه الفرس، ثم شبك أصابع كفيه بعضها ببعض، ووضع رجلاً على رجل، واستوى في مجلسه، وخاطب المسؤول باستصغار واستخفاف قائلاً:

• إذن، وما دامت سجلاتكم تثبت أنني أشكل خطراً عليكم، فإنني لأعتذر أشدّ الاعتذار عن إزعاجكم، وأطلب وبإلحاح شطب اسمي من بين أسماء طالبي الإذن بالسفر ورفض طلبي من سجلاتكم...

• ولكن كيف وأنت ما زلت ترغب بالسفر؟

• بل أرفض السفر مطلقاً، ويكفيني فخراً وكبرياء ما أنا فيه!

• وما الذي أنت فيه؟

• ألم تقل أنت نفسك إنني أشكل خطراً؟ أنا، أشكّل خطراً! وتخافني الدول وتهابني الحكومات، ألا يكفيني هذا فخراً؟ ألا يكفيني مجداً أن الدول والحكومات تخشى سطوتي وبطشي، لذا تحول دون منحي الإذن بالسفر؟ شكراً لك ولدائرتك ولكل من ساهم في إرساء دعائم مجدي هذا، أنا الذي أخيف ولا أخاف، أنا الذي أرعب الدول وأرهب الحكومات، وليحفظني الله مخيفاً لا خائفاً!
source: https://www.knooznet.com