كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


أمل دنقل شاعر الرفض، كلماته باقية في قلب الأمة



يعد الشاعر المصري الراحل أمل دنقل من أبرز الشعراء المحدثين المعاصرين، الذين قدموا شعرًا فنيًا ووطنيًا معًا.

كان أمل شاعرًا مطبوعًا يعرف ماذا يعني اتقان الشعر. بداياته الشعرية كبدايات كل شاعر، ولكن الهم الذي ساوره منذ صباه بضرورة إتقان وإجادة الكتابة الشعرية.

نشر أمل بواكير قصائده في صحيفة " الاهرام " وفي مجلة المجلة التي كان يرأس تحريرها الدكتور علي الراعي، ووجد نفسه محاصرًا بالأسئلة، واكتشف أنه لا يكفي للإنسان أن يكون شاعرًا قادرًا على الكتابة والإبداع. فهناك كثير من التيارات الفكرية والسياسية والثقافية التي كانت تموج في تلك المرحلة والتي لا بد له من الارتباط بها. فانقطع عن كتابة الشعر أربع سنوات حتي يضيف لموهبته الفطرية ثقافة تسعفه على الاستمرارية والإبداع المتجدد. وكرس هذه السنوات للقراءة فقط والاغتراف من ينابيع التراث والمعرفة، وصاحب ذلك نوع من الأزمة الروحية التي يمكن تسميتها أزمة الحرية، ففي تلك الفترة الزمنية كانت هنالك مجموعة من المثقفين والأدباء في السجون والزنازين المصرية، وفي هذا المناخ نشأ وترعرع أمل وولدت قصائده في قلب الأحداث السياسية.

كان أمل دنقل يعتبر أن الشعر ليس مجموعة شحنات من المواد الكيماوية إذا وضعت مع بعضها البعض تصنع قصيدة، فالإحساس في حضرة الشعر يأتي عن طريق الوجدان اولًا وليس عن طريق العقل.

شكل الشعر عنده فن وصناعة في الوقت نفسه واكتمال الصناعة لا يعني أن الإنسان صار شاعرًا، وكذلك فإن الشاعر الموهوب من دون ان تستقيم أدواته الفنية والإبداعية لا يمكن الإفصاح الكامل عن نفسه.

كان أمل دنقل إنسانًا وطنيًا مصريًا وقوميًا عربيًا في آن، وكان شعره في سنواته الأخيرة دليلًا ساطعًا على ذلك، وما زالت قصيدته " لا تصالح " التي نظمها بعد معاهدة كامب ديفيد، جزءًا مهمًا من الأدب الثوري العربي في تلك المرحلة، ولنسمعه يقول في هذه القصيدة التي لا تموت:

لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ ..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب

لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
ومَلِك

لم يكن الوعي الاجتماعي عند امل دنقل لينفصل عن الوعي الجمالي، فحداثة الشعر تتضمن حداثة الفكر ومعاصرته، وكان يعتبر أدونيس وجماعته قمة الهرب لاعتمادهم الابهار بديلًا للصدق، وإذا كان أدونيس معتبرًا شاعر الثورة المضادة بتفوق، فأمل مثله في ذلك كخليل حاوي، هو شاعر كبير ومجيد من شعراء الرفض والثورة العربية المعاصرة.

وكان أمل من المعجبين بشاعر المطر ابن الرافدين بدر شاكر السياب، واعتبر حسن اسماعيل وعلي محمود طه من أهم الشعراء العرب.

عاش أمل دنقل أحوال مجتمعه حتى النخاع، واستطاع أن يعيش تفاصيل الحياة اليومية في القاهرة، وانعكس ذلك بشكل واضح في الكثير من قصائده، التي استخدم فيها تفاصيل الحياة اليومية واللفتات الاجتماعية التي لا تتوفر إلا لرجل عاش واقع مجتمعه حقيقة.

لأمل دنقل خمس مجموعات شعرية صدرت عن دار العودة في بيروت، وعن دار روز اليوسف بمصر، وهي : " البكاء بين زرقاء اليمامة، تعليق على ما حدث، مقتل القمر، العهد الآتي، أحاديث في غرفة مغلقة، وأقوال جديدة في حرب البسوس ".

عانى أمل دنقل من مرض السرطان الفتاك، وأمضى الليالي والأيام متنقلًا ما بين منزله في القاهرة وبين مستشفى ومعهد الأورام في القاهرة إلى أن وافته المنية في العام 1983 وهو في أوج الشباب والعطاء.

 أشعار أمل دنقل طليعية ترفض الواقع بشكل جذري، مسكونة بروحه القلقة، إنها معارضة وثورية في محتواها، مستفزة للمشاعر والعقول، عصية على الحفظ، لتعقيد تراكيبها رغم بساطة ألفاظها وعذوبة نظمها، وكما أسلفت وذكرت فقصيدته " لا تصالح " من أقوى القصائد وأشهرها التي كتبت ضد جهود ما تسمى بالسلام.

وكانت زوجة الراحل أمل دنقل الكاتبة الناقدة والصحفية عبلة الرويني، قد أصدرت كتابًا بعنوان " الجنوبي " تجاوز 220 صفحة، وهو في باب السيرة الذاتية، تحكي فيه عن تجربتها الشخصية في إطار حديثها عن تجربة أمل، تلك التجربة التي امتزج فيها الاثنان معًا بحياة تشكلت وفق ايقاعات متنوعة، صداقة، حب، زواج، عشق، وتكوين أسرة. ولعل هذا الارتباط العميق الذي جمع بينهما، هو الذي جعل نفسيهما نفسًا واحدة، ومسيرتهما مسيرة واحدة أيضًا.

ورغم الرحيل المبكر لأمل دنقل، فما زال شعره خالدًا يروي حكاية الشعر والثورة والرفض والتمرد، وهذا ما جعله حاضرًا في قلب الثورة وفي الضمير والوجدان العربي.