كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


كَيْفَ نحترمُ ونَعْطي بَعْضً قدرَهُ، فِكْرَةُ الإتحاد تَحْتَ رآيةٍ واحِدَةٍ



السَّلامُ عَليكُم ورَحمَةُ اللهِ وبَركاتُهُ!

إحْترامِي لَكُم أَيُّها القَومُ الأَعزاءُ، وَبَعْدَ التَحيَّةِ والسّلامِ، أسألُكُم بِاللهِ أَنْ تَقرَؤُوا وتُدقِّقُوا وتَتخيَّلُوا مَا أكْتُبُ، وَسامِحُوني لَوْ أطْولُ عَليكُمْ بِالكَلامِ فَهذا لَكُمْ مِنْ غِيرتِي وَحُبِّي لَكُمْ، لِتَرْجَعُوا لِتَعيشُوا الماضي، فَهذهِ تَذكِرَةٌ للمُؤمِنين لِقَولهِ تَعالى : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، أَما الجِيلُ الجَديدُ والَّذين لا يَذْكُرون ولَمْ يَعايِشُوا الوَضْعَ فَلْيَستَأْذِنُوا ويَستَعينُوا بِذاكِرَةِ الكِبارِ!

 إخْوتِي الأَعِزاءُ والأَحِباءُ أنَّ الرُّجُوعَ إِلى مَا سَبَقَ، مُحفِّزٌ ودافِعٌ لِلْنُهُوضِ والصُّمودِ والثَّباتِ ونُقطَةُ الإنْطلاقِ وَهَذا لنُعيدَ المَجْدَ والصَّحوَةَ.

بِوُدِّي أَنْ أرجَعَ قَلِيلاً اليَوْمَ إِلى الوَراءِ وأَتَكَلَّمُ حَوْلَ (الحَيِّ) الحَارَةِ القَديمَةِ فِي بَلَدِنا، الَّتي كانَتْ مَرْكَزاً تجارِيَّاً وسَكَنيَّاً عِشْنا وَكَبِرْنا وتَرَعرَعْنا فِيها وفِي شوارِعِها وأزِقَّتِها، وَعَرفْنا أُناسَها واحِداً واحِداً، فَكُنَّا عائِلَةً مُتَناسِقَةً مُتَداخِلَةً، يَمُونُ الكَبيرُ على الصَّغيرِ بِلا جِدالٍ وَلا خِلافٍ وَلا إسْتِغْرابٍ وآسِْهتارٍ.

إنَّ التَاريخَ هَذا حَدِيثٌ نِسْبِيَّاً إِخْوَتي، وَلَمْ يَمُرْ عَلَيهِ الكَثِيرُ رَغْمَ أَنَّ مَعالمَ جَمَةً إخْتَفَتْ وتَغيَّرَتْ بِسُرعَةٍ ولَمْ يَبْقَ إِلاَّ الأطْلالَ وبعضَ كِبارِ السِّنِ مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَهَذا حَالُ الدُّنْيا ولا يَبْقَى عَلىَ مَا هُوَ إِلاَّ اللهَ، وَكُلَّ هَذا إخْوَتِي كَما تَعْلَمُونَ بَعْدَ مُرُورِ بُرهَةٌ زَمَنِيَّةٍ قَصِيرةٍ مِنَ السِّنينِ، فَكَيفَ كانَ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وكَيْفَ يَكُونُ بَعْدَ عُقودٍ مِنَ الدَهْرِ، أَمَّا أَنا وأنْتُم عَلَيْنا التَمَسُّكُ بِشُكْرِ اللهِ وَحَمْدِهُ على مَا مَرَّ، ونَميلُ أَنْ نَتَذكَّرَ كَمْ كانَتْ الأَيامُ جَميلَةً وَتاريخُها عَظِيمً، فِيها الحَلَوانيُّ والبَقالُ والسَّمْكَريُّ والقُنْدَرجيُّ والجَزَّار ُوسُوقُ الخُضارِ وَدُكانُ الحُمُّصِ لأبِي عَلي وَمَقْهى أبُو الذِّيبِ والجامِعُ وَمِنْ وَرائهِ دُكانُ العُمْدَةُ رَحِمَهُم اللهُ جَميعَاً...وغَيْرِها مِنْ حَوانيتِ المَلابِسِ والمَوادِ الغِذائِيَّةِ ولا سِيَّما مَرْكزَ البَريدِ والبُنُوكَ ...، فَكمَا عوَّدَنا الكِبارُ واجِبً مِنَّا أَنْ نَتَمَسَّكَ بالجُذُورِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَلا عَرْضٌ وَلا مَبْدأٌ مِنْ يفعل وَيَنْساها.

 إنْتَبِهُوا لِمَا أَقُولُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ وَالمَرحلَةِ وَلا تَكونُوا مُتَذَمِّرين شَكَّاكين، فإِنَّ الحَياةَ جَميلَةٌ لِمَنْ يَفْهَمَها..! وَالأُمَمُ أَعِزائِي تَرْتَقيُ ِبِتاريخِها وبِرِجالِها الَّذينَ بَنُوا وَصَدَقُوا اللهَ مَا عاهَدُوا، فَلَوْ أَنَّ أَهْلنا مِنْ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِنْجازاتٌ ولَمْ يَصْنَعُوا التَّاريخَ، ولَمْ يُرَبُّوا أَوْلادَاً على مُسْتَوى مِنَ الأَخْلاقِ والعِلْمِ كَما يَتَوَهَّمُ البَعْضُ اليأْسَنين البائِسين، لَمَا إِسْتَطاعَ هَذا الجِيلُ الَّذي نَعِيشُ مِنْ حَمْلِ الرِّسالَةَ والأََمانَةَ وَرَفَعِ بَلَدَنا هَذا، إِلى مَراكِزٍ عَالِيَةٍ، فَقَدْ نَجَحُوا هُمْ، بِغَرْزِ الطُّمُوُحَ والعَزيمَةَ والعَمَلَ الجَادِّ والمُثابَرَةَ والتَقْوَى ومَخافَةَ اللهِ بِقِسْمٍ كَبيرِ، إِِلى أَنْ أَصْبَحَ الكَثِيرُ حامِلِي شِّهاداتٍ وفي مَناصِبٍ في جَميعِ البلِادِ فِي مَجالاتٍ مُختَلِفَةٍ ومِنْهُم أَصْحابُ قرارٍ أيْضَاً.


لأَكُونُ صَريحًا مَعَكُمْ أَحْبابي لا ألُومَكُم باللَّغْوي بأفْواهِكُم ولَكِنْ أُحَذِّرَكُم مِنْ قُلِوبِكُم، فالله تَعالَى قَالَ: "لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ" فهُناكَ الكَثيرُ مَنْ لا يُفَكِّرُ مِثْلي وهَذا شأنُهُ، وَمِنْهُم مِنْ يُصَرِّحُون أَنَّ الفَسادَ والأَنانيةَ والإِبْتِعادَ عَنْ الدِّينِ والطمَعَ مُسْتَشْرِيٌّ بَيْنَ النَّاسِ فِي بَلَادِنا الغالِيةِ، ويَقُولُون لَمْ يَعُدْ هُناكَ إحْتِرامُ و وَأَخْلاقُ، والغِيرةُ على الشَّرَفِ والعَرضِ والوَطَنِ ، والمَظْلومُ لا يَجِدُ مَنْ يَنْصُرُهُ ولا الظالِمُ مَنْ يَرْدَعُهُ، فَتَشَتَتْ البِلادُ وزادَتْ الإنْحرِافاتُ وَالإِعْتِداءَاتُ وَكَثُرَتْ الفَضائِحُ والسُّمُعاتُ، يَقُولُونَ أيضاً شَبابُنا يَتَفاخَرُ في اللِباسِ وَالسَّياراتِ، ويَسْكُنُ في بِلادٍ غَرْبيَّةٍ وَأَوْلادُهُمْ فيها يَتَعَلَّمُون التَّوْراةَ والإنجيلَ قَبْلَ القُرْءَانِ، ويَتْرُكُون أوْلادَهُم يَكْبَرُونَ في أَجْواءٍ قَلَّ فِيها أَنْ تَسْمعَ العَرَبيةَ، فَوَصَلْنا إِلى حالَةٍ مِنْ الغُرْبَةِ في بِلادِنا فَكَيفَ فِي بِلادٍ غَريبَةٍ، فَسُوأَلي لَهُمْ؛ مَاذا أنْتُم فاعِلُون؟ وَلِماذا تَنأَوْن بِأنْفُسِكُم ولا تَسْعَون لِلْتَغْيِّيرِ؟ وَلْتَسْمَعَ أذانُكُم مَا تَقُولُ ألْسِنَتُكُم!

منَ الواضِحِ أَنَّ الأراءَ متضارِبَةٌ، هَذا يُفَكِّرُ تَمَاماً عَكسَ الثاَّني، وَالأَمْرُ نِسْبِي ويَتَعَلَّقُ بالجَوِّ الَّذي يَعيشُهُ كُلُّ واحِدٌ، لَكِنْ دَعُوني أُذَكِّرُكُم أنَّ هَذا الإِخْتِلافِ لم يُوْلَدْ اليَوْمَ ،إنَّمَا هُوَ تراكُماتٌ مِنْ فَتَراتٍ طَويلَةٍ وَراءَهُ أَسْبابٌ مُخْتلفَةٌ، مِنْها إسْتِعمارِيَّةٌ لِلْعَقلِ قَبْلَ الارضِ، حَتَّى أَصبحَ قِسْمٌ كَبيرً يُفَكِرُ وَيُؤْمِنُ أَنَّ الغَالِبيةَ ليْسُوا خَلُوقينَ ولا مُحْتَرَمين وَهَكَذا فَرَّقُوا بَيْنَنا بِفِتَنِهِم، وَلهذا نَرَى الجَوَّ مَْشحُوناً وأَوَّلَ رَدَّةِ فِعْلٍ فِينا للأَخَرِ تَكُونُ فِيها التَّصَرُّعُ وعَدَمُ الثِّقَةِ بِمَنْ أَمامَنا، لأَنَّنا لا نُؤْمِن من الأَساسِ أَنَّ العَرَبَ إخْوةُ مُحْترَمونَ، وهُمْ أَصْلاً في أَخلْاقِهِمْ وأَدابِهمْ وعِلمِهِمْ لَيْسُوا أَقلَّ مِنْ أَيِّ شَعْبٍ إِذا لمْ يَكُونُوا أَفْضَلَ بِكَثيرٍ ، مِنْ هنا أَعْتَقدُ أَنَّ مَنْ يَفْقِدُ العِزَّةَ والكَرامَةَ والإِيمانَ والثِّقَةَ بالناسِ لَيْسَ غَريبً أنْ يَتَصَرَّفَ بِطَريقَةٍ غَيْرَ لائِقَةٍ، وعِندَها يَكُونُ الجَمِيعُ على هَذا النَّهْجِ والكُلُّ يُفكِّرُ عَنْ الأَخَرِ بِشَكلٍ غَيْرِ جَيْدٍ ومُحْتَرَمٍ، فَلا يطِيقُون بَعْضً ، ويَتَعَدونَ على بعضِ ويُهاجِمونَ دُونَ حِسابٍ حَتَّى وَصَلْنا إِلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ اليَوْمَ!

لِماذا لا نَتصَرَّفَ بِشَكلٍ مُغايرٍ وَخُصوصَاً مع مَنْ لا نَعْرِفَهُ، فَقَدْ يَكُونُ هوَ غَيْرَ ما هُوَ شائِعً وبهذهِ الطَريقَةِ يَكثُرُ ُُالإِحْترامُ والتَّعامُلُ المَقْبُولُ بين النَّاسِ، وفي النهايَةِ نُقللُ مِنَ العَداءِ ونَزيدُ المَحَبَّةَ والتَّعاونَ ونَشعُرُ أَكْثرَ بالأَمانِ ونَتَّحِدُ على الخَيْرِ والبرِّ ونُحاربُ التَّخَلُّفَ والرأْيَّ المُسْبَقِ، فلا يَْصدُرُ مِنَّا إِلاَّ مَا يُبسِطُ الجَميعَ ونَكُونُ مُتَفائِلين أَكْثرَ مِنْهُ مُتَشائِمين.

وفَّقَنا اللهُ لنَسْمَعَ الكَلامَ ونَتَّبِعَ أَحْسَنَهُ! ونَكُونَ منْ المُسالِمين المِؤْمنين الَّذينَ يَحِبُّونَ إخْوتَهُم ولا يَظُنُّونَ بِهِمْ سُوءَاً ويَتَوَهَّمُون أَوْ يَشِكُونَ فِيهِم.

إنَّ الفِكرةَ والأَمَلَ الدائِمَ أَنْ أَنْ نُطَبِّقَ مَقُولَةً مَشْهُورَةً؛ (وَيْلٌ لأُمَّةٍ تَأكُلُ مِمَّا لا تَزْرَعُ وَلا تَحْصُدُ مِمَّا زَرَعَتْ خيراً) فَلْنَسْتَبْشِرْ ونَتَيمَّنْ بِشبابِنا ونَسْتَأْنِسْ بِهِمْ خَيْراً فَنُعْطيهُم حَقَّهُم وَنَعْتَمِدُ عَلَيهِم إِذْ نَغْرِسُ فِيهِم الإِيمانَ والإسْتِعْدادَ لِلْصُمُودِ والتَّضحِيةِ والثِّقَةِ بالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ نَجاحِ مُجْتَمَعِهِم والأُمَّةِ أجْمَعِ.

السَّلامُ عَليكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَركاتُهُ!

كَيْفَ نحترمُ ونَعْطي بَعْضً قدرَهُ، فِكْرَةُ الإتحاد تَحْتَ رآيةٍ واحِدَةٍ