كنوز نت - د. منعم حدّاد


استغلال الخوف للسيطرة!


تدور في مناطق شتّى من بلادنا روايات شعبية عن معقدات وهمية حول مخلوقات عجيبة غربية تعيش قريباً من المناطق المأهولة وتفترس أو على الأقلّ تؤذي أولئك الذين يتجرّأون عليها وعلى الاقتراب من مناطق سكناها، ويتناقل الناس القصص والحكايات التي "تشيب لها الولدان" عن هذه المخلوقات: فمن قائل إن لها عيناً واحدة مشقوقة أو مستديرة في وسط وجهها، إلى قائل إنها كالغنم جسمها مغطى بالصوف لتغوي فريستها، إلى قائل إنها تغيّر شكلها بسرعة فائقة، فتخلع شكلاً وتلبس آخر في لمح البصر. 

ويروون عن شراستها كيف تمزّق فريستها تمزيقاً، أو أنها تتلذّذ في إيذاء الفريسة والتسبّب لها بأكبر قدر ممكن من الألم والعذاب، فلا تقضي عليها دفعة واحدة أبداً، وإنها تطيل عذابها لتستمتع بذلك!

وتسأل الرواة، جميع الرواة عمّا سمعوه، فهل سمع أحدهم هذا الكلام من شخص اعترضت هذه المخلوقات طريقه ونجا منها بأعجوبة أو لشجاعته ورباطة جأشه كما يروي الكثيرون؟ وتسأل عن هؤلاء لتقابلهم وتسمع من المصدر الأول حقيقة الأمر وتفاصيل الحكاية!

وللأسف لا تجد شخصاً واحداً من هؤلاء سمع بنفسه القصة من الشخص الذي حدثت معه، ولا تقف على أثر لمثل هؤلاء الناس! ويبدو أنك لن تقف لهم على أثر!

وتعليل ذلك في غاية البساطة والوضوح: يسعى بعض المنتفعين الانتهازيين من بثّ الشائعات ونشر الأخبار عن وجود مخلوقات عجيبة غريبة مرعبة في الأماكن التي يرغبون في جعلها منطقة محرّمة على سواهم، فهذه أكثر الوسائل نجاعة لإبعاد الغرباء عن المنطقة، وليس كالخوف وسيلة مثالية لتحقيق هذا الهدف!

وتجد أحياناً وعلى النقيض قصصاً كثيرة عن مخلوق خرافي أو أسطوري يقطن مكاناً ما ويحميه ويحول دون الاقتراب منه، ثم سرعان ما يتبيّن أن هذه المخلوق الأسطوري ليس سوى صاحب مصلحة في حيازة مكان أو تمرير سرقة أو عملية تهريب كما في بعض المسلسلات...

واستغلال خوف الناس وبثّ الذعر في نفوسهم قديم قدم الإنسان نفسه: فالإنسان رأى عالماً غريباً عجيباً، ورأى ظواهر لم يفلح في تفسيرها ولا في فهمها، وبحث عن وسيلة للتعايش والتكيّف معها، وكان الخوف من المجهول أعظم ما يقضّ مضجعه، فانتهز البعض هذه الفرصة الذهبية وأقنعوا ضعفاء النفوس والسذج وطيبي القلوب بقدرتهم الخارقة على اكتشاف الغيب والتنبّؤ بالمستقبل وحتى بالقدرة لتغييره إذا اقتضى الأمر.


ولو استعان هؤلاء بالديانات والعقائد السماوية المعروفة وبالصوم والصلاة والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى والتوسل إليه لتغيير مستقبل مخيف مرعب ولنيل السكينة والطمأنينة، لكان هذا أمراً طبيعياً ومرغوباً فيه!

ونجد أمثال هؤلاء لدى كل الشعوب القديمة (بما في ذلك العرب!) وفي الحضارات السابقة تقريباً، أناساً استنبطوا ممارسات غريبة عجيبة لم ينزل الله بها من سلطان لاستكشاف الغيب والتنبّؤ بالمستقبل ومحاولة تغييره!

ويستعين هؤلاء بأحشاء حيوان، سليمة هي أم لا، أو بتصرّف ثور وقبوله أو رفضه ما يقدمون له، أو بأضغاث أحلام، أو بتخريف امرأة حبيسة في جوف جذع شجرة، أو بهلوسات فتاة (أو عجوز) تصوم أياماً ومن ثم تمضغ أوراق شجر (مخدّر؟) وتستنشق بعدها أبخرة منبعثة من جوف الأرض أو من بطن مغارة لا نعرف ما تحتويه من سموم أو مواد كيماوية أو مخدّرة تفقد الوعي أو تقود إلى الإدمان.

وفي حال كهذا ينشط الانتهازيون فيتخذون من أنفسهم سدنة وقيّمين لمثل هؤلاء المهلوسين، ويأخذون على عاتقهم مهمّة تفسير هذه "التنبّؤات"، وشرحها لطالبيها، مستغلّين لهفتهم للشفاء والإبلال من المرض أو للحمل والولادة أو للانتصار الحاسم في الحرب وما إلى ذلك!

ويفسّر هؤلاء هذه التنبؤات الكاذبة بناء على ما يصل إليهم من صلات وتقدمات، ويتناسب التفسير طردياً مع قيمة الصلة والتقدمة، وكلما ازداد المبلغ وكبرت الهدية كان التفسير أفضل وأحسن!

وعندما يظهر زيف التنبؤ وبطلان التفسير ماذا ترى يقول العرّاف والمفسر؟
وماذا عساهما يقولان؟ وهل وقعّا صكّاً يضمنان فيه ما يقولان؟
أتراني أبالغ إن قلت إن هذه الظواهر لم تختفِ بعد من حياتنا؟
إذن فلينظر من يظنّ ذلك من حوله!