
كنوز نت - د. منعم حدّاد
تنبّؤ في موحى دلفي؟
وقبل ميلاد السيد المسيح بقرون دأب الحجّاج المتدينون جداً على تجشّم مشاقّ السفر والتوجّه إلى دلفي ليستشيروا العرافة الحكيمة التي تكشف لهم الغيب وتتنبّأ بالمستقبل، وأرسلت المدن- الدول التقدمات السخّيّة، وأنشأت بعضها خزائن الكنوز في الموقع نفسه، واستمر الوضع على هذا المنوال لستّة قرون تالية، إلى أن دمّره الإمبراطور المسيحي أركاديوس قيصر في العام 398 ميلادي، بعد أن شكّل موحى دلفي تاريخ العالم آنذاك!
وتقول الأسطورة أنّه منذ سنين طويلة لاحظ راع يدعى كوريتاس أن قطيعه يتصرف بشكل غريب عندما يتواجد قريباً من فتحة معينة في الأرض، فأبلغ جيرانه بالأمر، وراح بعض الفضوليين يتحققون من ذلك، وما أن دنَوا من الفتحة حتى تأثروا بالأبخرة المتصاعدة منها، وغشيتهم شبه غيبوبة، وراحوا يتمتمون بالتنبّؤات...وتطوّر الأمر إلى أبعد من ذلك، فقام بعض الذي أصابتهم لوثة من الهَوَس أو الجنون بإلقاء أنفسهم في الفتحة، وقام عند ذلك مسئولو القرية أو بعض كاهنات الأم الأرض بتعيين إحداهن لتخدم كعرّافة "رسمية" للمعبد، وأقيمت في المكان شبه مظلة مثلّثة لتقي الناس من السقوط في الفتحة، وبنيت حول المكان في وقت لاحق أبنية أخرى منها معبد للإلهة ومنزل للعرافة وآخر للكاهنة، مكوّنة بذلك نواة استيطان جديد.
وانتشر خبر التنبؤات واشتهر، وقصد الناس دلفي ليس من اليونان فقط، بل من الأصقاع البعيدة أيضاً مثل مصر وآسيا الصغرى وإيطاليا طلباً للنصيحة وللاستخبار عمّا يخبّؤه لهم القدر والمستقبل، وازدهر الاقتصاد المحلي، وازدهرت التجارة وازداد عدد الحجاج والتجّار الذين يقصدون المكان بشكل مذهل، فكان لا بدّ من إنشاء أبنية عامّة أخرى كثيرة منها مدرج ومسرح واستاد واسع مترامي الأطراف، وكلّها من الأموال التي قدمها الحجاج هدايا وقرابين...
وكان معبد أبولو في قلب الهيكل، وهناك كانت تجلس الكاهنة العرافة، وتعيش وتستحمّ، في حوض ماء مخبّأ بعيداً عن عيون الناس...
وكان يتم العمل كالتالي: في صباح يوم التنبّؤ كانوا يقدمون عنزة قرباناً مقدساً، على مذبح يقع عند مدخل معبد أبولو، وكانت أحشاء العنز تُفحص، فإذا كانت الأحشاء جيدة تقوم العرّافة بعملها في ذلك اليوم، وتمارس الطقوس المتّبعة، فتتطهر بماء خاصّ، وترتدي ملابس احتفالية خاصّة، وتمضغ قليلاً من ورق الغار، وتجلس تحت المظلة على المقعد الخاصّ، وتستنشق البخار المتصاعد...
وقبل أن يلج الزائر "حرم" العرّافة "المقدس"، كان عليه تقديم شيء ما، وكتابة سؤاله مكتوباً وتسليمه إلى أحد مساعدي العرافة، ومن ثمّ كان عليه الانتظار في ركن قصيّ إلى أن يقدم السؤال إلى العرافة فتردّ عليه ويعاد إليه الجواب مكتوباً، وكانت الممارسة كلها تكتنفها الطقوسية والروحانية، وكان الناس يؤمنون حقيقة أن الإله أبولو يتكلّم من خلال حنجرة العرافة مستعملاً صوتها نفسه ليعبّر عن رغائبه ونصائحه!
وعرّافو موحى دلفي امتلكوا ناصية كلّ المعارف وجميع العلوم تقريباً: التاريخ والدين والجغرافية والسياسة والرياضيات والفلسفة وما إليها، كانوا يقدمون نصائحهم متى وأين تُبنى المدن الجديدة، أية قوانين يجدر سنّها، وما هي الصلوات التي تُتلى، وفي كلّ الأمور "الدنيوية" والشخصية، وتأتي التنبّؤات بأسلوب بليغ مقتضب، مما تسبب في التوسّل الشديد لمساعدي العرّافة لعدم إساءة تحليلها وتفسيرها، ومن أشهرها التنبّؤ الذي ناله كرويسوس ملك ليديا عام 550 ق.م. الذي كان يعدّ العدّة لغزو الإمبراطورية الفارسية، عندما زار موحى دلفي طالباً النصح والمشورة، بحثاً عن نصر مؤزّر، وبعد تقديم ثلاثمائة رأس من الماشية قرابين لأبولو قدّم ذهباً وفضّة مصهورة في 117 سبيكة، سبق أن أرسلها إلى موحى دلفي، مع تماثيل وجواهر ولآلئ وحجارة كريمة، ووعاء ذهبياً يزن ربع طنّ، وأرفق مع كل هذه الهدايا والقرابين سؤالاً عن نتيجة المعركة مع الفرس: هل يغزوهم فينتصر، أم يمتنع عن الغزو لأن النصر ليس مضموناً؟
وجاءه الجواب قائلاً: "إذا عبر كرويسوس نهراً، فلسوف تُدمّر إمبراطورية عظيمة!" وهذا الجواب يبشر بنصر مؤزر بنسبة خمسين بالمائة، وبهزيمة منكرة بالنسبة المئوية ذاتها، لكن كرويسوس الملك العظيم لا يتوقع الهزيمة قطّ، وإنما– مثله مثل كل محارب آخر– لا يتوقع إلا الانتصار وهزيمة الأعداء!
وبناء على هذا تشجّع كرويسوس وظن أن النصر "في جيبه"، وأغار على الفرس، وفعلاً دمّرت إمبراطورية عظيمة، بعد أن مني بهزيمة نكراء ساحقة، أسدلت الستار على إمبراطوريته هو، والتي كانت عظيمة، وليس أعظم منها!...
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، فقد أغار الفرس على ليديا واحتلوها، وأسروا كرويسوس نفسه، الذي لم يبق أمامه سوى أن يكفر بقدرة عرّافي موحى دلفي!
وأرسل إلى دلفي سؤاله مع أغلاله "لماذا كذبت عليّ؟"
فكان الجواب أن تحقّقت النبوءة!
لأن "العرّاف" تنبّأ بتدمير إمبراطورية عظمية، دون أن يحدد أيّاً من الامبراطوريتين العظيمتين اللتين تتحاربان، لأن الجيشين كانا على أهبة الاستعداد والإصرار للقتال حتى النهاية المحتومة!
18/08/2020 06:41 pm 4,509
.jpg)
.jpg)