
كنوز نت - بقلم : حنان جبيلي عابد
هالة من اللامبالاة
هالة من اللامبالاة وعدمها، لا شيء إلاي والفراغ، ممتلئة بكل ما يحدث ولا يحدث، توازني أين أنت؟ هل ما زلت في جيبي؟ لعلك هارب مني؟ سأجدك حتما، قد لا أجدك فالانهيارات سرقت انفعالي ووجودك...
المعادلة الصعبة التي لا أدرك لها بداية أو نهاية، أرتشف سخونة الوقت وسط الضغط، الضغوطات؟ أما حان الوقت لأغرق الضغط في كأس وأشربه كحبة دواء شديدة المرارة مذابة مع عصير السنوات المالحة..
أمسك بيمني كتابي، أشاهد خارطة الطريق ومأساة بيروت التي لا تغادرني، أفكاري أشلاء ممزقة، في جوفي نيران تنفث دخان الوجع في حنجرتي، أنفث ما تبقى من أنفاسي الثقيلة ونظراتي الهائمة بين الصور البشرية، أمرر يدي على الأزرار ها هي ضالتي (ناشونال جيوغرافيك) هناك نهش اللحوم، على اصوله وله شرعية وقوانين، يا الله وسط دوامة الانقضاض الشرعية متاحة، مباحة، حتى الحيوانات لديها مشاعر بتنا نفتقدها، سأترك متابعتي هناك فهي تذكرني بفداحة ما نعيشه...
سأزيل التاريخ الموجود على هاتفي النقال والساعة فالزمن والوقت لم يعد كفيلا بالنسيان بقدر ما هو كفيل باستعادة الماسي مع كل الطرقات فوق رؤوسنا...
ألهث راكضة بين ردهات أحد الأفلام الأجنبية لأقلب صفحة مسائية جديدة، أتابع شاشات التواصل الاجتماعي، ألبي نداءات ولدي الذي يمنحني قبلة لا تنتهي، وسط الضجيج أجندتي صامتة مثقلة بكل ما فيها، أزيل كل ما هو أمامي على منضدة الالتزامات، أنفض غبار المنفضة، كم كتبت هذه الفترة رحمه الله رحمها الله...
الرحمة تجوز على الحي والميت سأبحث بين ردهات أعياد الميلاد لكم الحياة والعمر المديد، تطل بيروت من جديد، فيديوهات حوارات، ضحايا، مساعدات، وفحيح اخباري جديد لأخبار عاجلة مقامرة على الأرواح، أقف بينهم دوني، معهم دونهم، معي دوني، أبكي على قلة حيلتي أم على قوتهم وضعفي، ضعفهم وقوتي، لا أعرفني ولا أعرفهم، تبا لي وللعالم وللشاشات، ووسائل التواصل الذي تجعلنا معنا دوننا، أمسح دموعي بالتحديد وأكرر سأبحث عن أخبار أخرى تعانق يومي، سأنقطع عن الأحداث اليومية، لا يمكنني أن أحزن، الله معي، أتقلب على وسادتي ليلي ونهاري في حالة تجانس لم أعد أعي أيهما أقرب إليّ، أوراقي مشتتة ما بين البينين.
تبا لك أيها اللعين حين أبحث عنك ولا أجدك، أيناك، أبحث عن حالة الهذيان التي تصيبني حين أقرأ ما اقترفته أفكارك، نسيت اسمك تبًا ليّ هذه المرة، هل يعقل أن يضيع أسمك بين الأسماء؟
هل يعقل أنني أعشق دموعي مع كتاباتك والآن أنت تائه وسط الازدحام الفكري، وسط التشنجات المصيرية.
كلهم يكتبون، وكلهم منسيون، في عز الأزمات أو الأفراح يتذكرون الجميع إلا الأدباء، نصيبهم من بعض المنابر بين الحناجر لكن السياسيون ومدعي الثقافة هم في الصدارة، عفوًا قبلهم ماضغي الاعلام، عفوًا مستهلكي الطاقات، عفوا منتحلي المعرفة، وعفوًا من عفوا لأنهم كثر...
المهم كاتبي المفضل ضائع بين الأزقة لا اسمه، صورته مبعثرة حتى صوته تبخر، لا تذكرت اسمع الشائع فهو من أكثر الأسماء شيوعا هيمنة على العائلات، مربط الفرس عائلته، تبا لي عائلته أيضا لها هيمنة ولكني لا أذكرها فقد بت أذكر التفاصيل الدقيقة أما الكبيرة فهي منتشرة على السطح دوما فلا حاجة لتذكرها، اسمع عائلته، سأقوم بمناورة مع العم (چوچل) حتي يكون دليلي إليه...
أخفق العم (چوچل) أصر على (چ) وليس (ج) كم عنيدة هي الأحاسيس عندما تبحث عن ضالتها، أين أنت يا ضالتي... بين رسائلي العالقة قبل سنوات سقطت من أحد الغيوم الحوارية رسالة مشتركة مع كاتبي المغمور المهيمن على مراوغة الكلمات، قلبت الرسائل رأسًا على عقب، وجدت تهاني وأغاني، ورسائل لم تفتح بعد...
ورسائل مغلقة أبدية وبعض الصدقات اللطيفة، بعض الشوائب البشرية، وتساؤلات من هذا، هذه وتلك، أعجبني الكم الهائل من الرسائل مزهوة بنفسي، محبوبة، مكروهة، مقبولة، منبوذة، لا يهمني، أعرف شيئا واحدًا أن الخسائر البشرية أحيانا فوزا نفسيا طويل الأمد...
ضالتي أين أنت؟
كالإبرة بين أكوام القش وجدته وأخيرًا، اسمه مألوف جدًا حتى الاسم الرباعي، كيف لي أن أنسى اسمه، بعد الارهاق والبحث ضحكت حتى استيقظت البلد النائمة على كتفي، لم اقرأ المجاملات المكتوبة ولا حتى الحروف المسكوبة، بسبابتي فتحت تلك الصفحة كغريق يبحث عم الماء، ضالتي...
قرأت وقرأت، ضحكت وبكيت، هل هذا ما كنت أبحث عنه؟ التشرذم، التوهان، تبا لي الالتزامات ما زالت تركض خلفي والمواعيد المقررة لتسليم الواجبات، بالاضافة للمهارات الحياتية التي ما زالت تلهث خلفي، وبكل بساطة أبحث عنه وهو يغفو بين الكتب، تبا له ولي نسيت أنني على حافة البركان ألهو...أغلقت باب صفحته، كمن يصفع وجه الزمن، لا يعجبني الإرهاق الذي تكبدته للوصول إليه، الأجدر به أن يرسل كتاباته على بساط الريح...
أخذت نفسًا عميقا مودعة ما تبقى من أفكاره المعتمة التي أضاءت روحي وعدت أرتشف كأس الشاي، وأقلب صفحات عمري، أرمي وسادتي وأتابع الشاشات المسمومة الموسومة بقلة الإنسانية، وهاتفي النقال يراوغني للعودة أليه...
أما أوراقي المبعثرة عدت ألملمها بعد نفاذ صبري...غفوت على حافة التردد واستيقظت وتوازني في جيبي...
تذكرت أنه لم يخبرني أن تلك الوردة العالقة بين شفتيه لم تذبل بعد..
حنان جبيلي عابد

12/08/2020 02:58 pm 9,012
.jpg)
.jpg)