
كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد
وأبولو يكشف الغيب للإغريق...!
ولم ينفرد الفرس ولا العرب وحدهم بهذا "المجد"، مجد معرفة الغيب المشبوهة، والقدرة الفائقة على اكتشاف ما وراء الطبيعة، فللإغريق كان شأن ليس بالقليل في هذا المضمار، لا يقلّ أهمية عمّا كان للعرب أو الفرس.
وأبولو كان يعتبر إله النبوة والموسيقى والشفاء في الميثولوجيا اليونانية، بالإضافة إلى "مهامّ" وقدرات أخرى إضافية كثيرة أنيطت به ونسبت إليه، ومثله مثل بقية الآلهة القاطنة على جبل الأولمبوس لم يتردّد في التدخّل في شؤون البشر، فهو الذي تسبّب في مقتل أخيل البطل العظيم، وكان أخيل هو الأعظم بين جميع أبطال اليونان الذين شاركوا في حصار طروادة والأهمّ على الإطلاق، فلقد قهر بمنتهى السهولة هكطور بطل طروادة الأول في مبارزة فردية، لكن أبولو أعان باريس، شقيق هكطور، على التمكّن من أخيل وقتله، وذلك بإرشاده إلى نقطة ضعفه وهي عقب قدمه، لأن أمه الإلهة كانت قد غمسته في النهر المقدس فلا يؤثر فيه سلاح مهما كان نوعه، لكنها عند تعميده في النهر المقدس اضطرت إلى الإمساك به، فأمسكت بعقبه، وظلّ هذا العقب نقطة ضعف أخيل، وإلى هذه النقطة سدّد أبولو سهام باريس فقتله!
وكان معبد أبولو يقوم في دلفي، حيث موحاه، ويقال إن زفس "ربّ الأرباب" في الميثولوجيا اليونانية أرسل نسرين عظيمين، أحدهما شرقاً والآخر غرباً، ليحدّدا له مركز الأرض ونقطة الوسط فيها، فالتقى النسران في هذا المكان، فأُقيم فيه المعبد.
وتذكّرنا هذه القصة بقصة مشابهة في التراث الشعبي العربي، فقد فرض ملك جائر على أحدهم أن يدلّه على منتصف الأرض ونقطة مركزها، وإلا قطع رأسه، فقام الرجل بعد تفكير طويل إلى وسط المجلس، ودقّ وتداً في الأرض، وقال للملك (وكان قد تأكد من أنه لن ينجو من الموت المؤكد): ها هوذا منتصف الأرض هنا يا صاحب الجلالة، ومن لا يصدق فليقس بنفسه!
واعتبر موحى دلفي، مقام الإله أبولو، ووسيط الوحي والإلهام والنبوءات، وكان يؤمّه الباحثون عن نصائح الإله وتنبؤاته الغامضة على مرّ العصور الإغريقية.
وقصد الملك كرويسوس ملك ليديا هذا الموحى، فأشار عليه "الوحي" أن يغزو الفرس ويحطّم إمبراطوريتهم، لأن الوحي قال له إنه إن ثار وغزا فلسوف تسقط إمبراطورية عظيمة وتنهار، فرأى كرويسوس في ذلك تأكيداً لخططه العسكرية وتشجيعاً له على الحرب وحثّاً له على إشعال نار الحرب وضماناً للنصر، لأن الإمبراطورية الفارسية ستنهار...وتحقّقت نبوءة دلفي فعلاً: فلقد حارب كرويسوس، وانهارت إمبراطورية عظيمة وهوت وزالت من الوجود، لكنها لم تكن الإمبراطورية الفارسية، بل إمبراطورية كرويسوس نفسه...
وفي دلفي أحصوا ذرات الرمال على شاطئ البحر ليقيسوا البحر، وفيها سمعوا كلام البكم وأصغوا إلى من لا صوت لهم! كما يقولون عنها!
وموحى دلفي كان وطن الأشكال الظلامية والروحانية، والروائح الحادة، وعطور البخور، والذكريات الغائمة، والجنون غير المقروء، والألغاز والحكمة التي لا يسبر أغوارها إنسان!
أو هكذا على الأقل صوروا دلفي التي اكتشفت أنقاضها في تسعينيات القرن التاسع عشر، في بلدة كاستري اليونانية، وفي مركز معبدها نصب حجر مخروطي الشكل ليحدّد مركز الأرض!
وتشابكت الأساطير مع الحقائق التاريخية حول دلفي، إلى حدّ استحالة استكشاف تاريخها الحقيقي، وحتى اليوم ما زال الباحثون يختلفون في آرائهم ويتناقشون حول إذا كانت تنبؤات موحى دلفي دقيقة وتتحقّق أم مشوشة ومرتبكة وغير دقيقة، وسوى هذه من الأمور، ونجد هنا وهناك لمحة مضطربة عن طريقة عمل العرّافات في دلفي، ولا تفاصيل البتّة حول العرافات اللاتي أقمن في دلفي في الأزمنة القديمة، عندما كان المعبد مكرّساً للآلهة الأمّ الأرض، وقبل أن يقوم الإغريق بتكريسه مجدداً لعبادة أبولو، ومن الممكن أن عدم توفّر مثل هذه المعلومات عن عبادة الأمّ الأرض يعود إلى أنها كانت موغلة في القدم، وقبل أن يتمّ اختراع الكتابة والتدوين، أو بسبب تدميرها عند سقوط الحضارة التي مارستها، وكلّ ما يتوفر من معلومات يعود إلى ما دوّنه الإغريق الغزاة.
واستقرّ الميكينيون في دلفي حوالي العام 1500 ق.م. وحافظوا على طقوس الأم الأرض، واكتسب عرّافات دلفي شهرتها منذ تلك الفترة، وازدهر المعبد خلال القرون الخمسة التالية، وكما تقول الأسطورة فقد جاء أبولو من الشمال، وقتل الأفعى التي كانت تحرس معبد الآلهة الأم الأرض، وادّعى امتلاك المعبد لنفسه، وطرد العرّافات السابقات، وعين عرّافات جديدات من لدنه، ونشر عبادته التي تدور حول الإله الذكر، ويبدو أن أبولو وأهل الشمال معه استغلوا كوارث طبيعية أدّت إلى انهيار الأسوار ليحتلوا المكان، ومن هذه الكوارث الزلازل وثوران بركان ثيرا (سانتوريني).
وثمة علامات تشير إلى سقوط الأفعى كرمز ديني في اليونان القديمة، والتي سيطرت على مدى آلاف السنين، وبداية عهد جديد وعبادة جديدة.
11/08/2020 09:49 am 4,604
.jpg)
.jpg)