كنوز نت - د. منعم حدّاد


أوراق قديمة: والعزّى تردّ على أسئلة العرب...! 


د. منعم حدّاد


وكانت للفرس معابد يدجل فيها بعض السدنة والأدعياء ليخدعوا بها الشعب ويضلّلوه ويبتزّوا ما استطاعوا، وليستمرّوا في السيطرة على عقول الناس وقلوبهم يستعمرونها ويوقعونهم في شباكهم فلا يفلحون في الإفلات منها، منذ ولادتهم وحتى وفاتهم، وكلّ هذا من أجل استعمارهم وكبتهم وقمعهم واستعبادهم لأغراضهم هم ولأهوائهم ومصالحهم. 

أما العرب فقد كانت لديهم الأصنام وسدنتها والتي لا يقلّ القائمون عليها سوءاً وتضليلاً من سدنة الفرس ولا اليونان أو الشعوب الأخرى، من أولئك الدجالين الذين يدّعون في كل زمان ومكان وكأن الله سبحانه وتعالى عيّنهم أوصياء على بني البشر ومندوبين عنه وأولياء له، ليفتكوا بالناس وبما يملكون، وليسخّروا كل شيء لمصلحتهم هم دون سواهم، ومن حظّ البشرية ورحمة الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء قلّة قليلة لا تلبث أن ينكشف أمرها ويتبيّن بطلان ادعائها وزيف مزاعمها.

ولقد كانت عند العرب "العزّى"، وهي "سمرة كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتاً وأقاموا لها سدنة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السمرة"، والعزّى بمعنى العزيزة، وهي "شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من بني صرمة" وبنوا عليها بيتاً كانوا "يسمعون فيه الصوت" وكانت "أعظم الأصنام" وكانوا "يزورونها ويهدون إليها ويتقرّبون عندها بالذبائح كما يقول ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، ويرى علي جواد الطاهر أن "قريشاً كانت تعدّ العزّى شفيعة وحامية لها".

ويروي ابن الكلبي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالقضاء على العزّى في عام الفتح، "فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: إيت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه عليه السلام (سأله): هل رأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فاعضد الثانية! فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي عليه السلام فقال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فاعضد الثالثة! فأتاها، فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها أعلى عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها ديبة بن حرمي الشيباني...، وكان سادنها، فلما نظر إلى خالد قال:

أعزّ شدّي شدّة لا تكذبي
على خالد ألقي الخمار وشمّري
فإنك الا تقتلي اليوم خالداً
تبوئي بذلّ عاجلاً وتنصري!
فقال خالد:

يا عزّ كفرانك، لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك!
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة، ثم عضد الشجرة، وقتل ديبة السادن".

وفي رواية أخرى أن العزى صنم أمامه غبغب أي خزانة، يضع فيه الناس هداياهم ونذورهم للعزى، وتختبئ في الصنم كما يبدو تلك الحبشية السوداء، والسمرات أو الشجرات الثلاث إن هي إلا شجرات نمت في حرم البيت فصارت محرمة لا يجوز مسّها بسوء!

ويقولون إنّ الناس كانوا ينحرون للعزى و"ذكر الإخباريون أنه كان في كل من اللات والعزى ومناة شيطانة تكلّمهم، وتظهر للسدنة وقد نسبوا ذلك إلى صنع إبليس"، ويرى علي جواد الطاهر "أن الحبشية المذكورة التي قتلها خالد وزعم أنها شيطانة إن صحّ ما ذكره الرواة عن وجودها كانت امرأة كان السادن يخفيها في موضع سرّي، وهي التي تجيب عن أسئلة السائلين فينسب كلامها إلى العزى"!

نستخلص من كل ما تقدم أن العرب القدماء- ونستثني منهم بالطبع الحنفاء واليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية وعلى أطرافها – لم يكونوا أوفر حظّاً من الفرس أو غيرهم من الشعوب القديمة الذين انطلت عليه أحابيل الدجالين وضلالاتهم، والذين استغلّوا طيبة قلوبهم وبراءتهم وسذاجتهم وتديّنهم الشديد إلى أبعد الحدود، وأقاموا لهم صنماً في مكان ما، وادّعوا أن الشجرات القريبة لهي شجرات مقدسة، ولا بدّ من أن يكونوا قد روّجوا الشائعات عن قدرة الشجرات الخارقة في إفادة من يؤمن بها ويقدم عندها القرابين، وإيذاء من لا يقرّ بذلك، وأكملوا المسرحية التهريجية بإخفاء حبشية في داخل الصنم، ويأتي المساكين من الذين يبحثون عن الشفاء من أمراضهم أو عن الحلول لمشاكلهم المستعصية، ويلجئون إلى هذا السادن المحتال، فيحيلهم إلى العزى التي تعلم الغيب وتعرف كل شيء...، ويهمس في أذنها بما يريد، وتلقي على مسامعه ما ينقله إلى السائلين، ويعدّله ويفسّره كما يشاء، فإذا كان الدفع مجزياً بشرّ السادن بالخير ليجزلوا له العطاء، وإن لم يكن العطاء جزيلاً أنذر بالويل والثبور وادعى بدنو حدوث المصائب وعظائم الأمور من ويل وثبور، وزعم أن هذا الشر المستبين لا يردّه إلا مزيد من الدفع من مال وقرابين، والله جلّ جلاله من كل هذا بريء ولا يقبل به قطّ!

ويبدو أن العالم لم يتغير كثيراً في هذه الأمور، رغم مرور ما يقارب الخمسة عشر قرناً على تحطيم العزّى، ومن يشك في ذلك فليبحث عمّن ما زال يتعاطى الدجل حتى في أيامنا هذه، وهم كثر!