كنوز نت - بقلم جميلة شحادة، كاتبة وقاصة من الناصرة


إِصرار

***************

شعرت نوال بخليط من الفرح والفخر يغمران روحها، وهي ترى والدها يوزّع الحلوى على أفراد العائلة ابتهاجا بنجاحها في الثانوية العامة. لم تكن نوال الابنة الوحيدة التي خصّها والدها واحتفى بنجاحها؛ فقد احتفى بنجاح شقيقيْها التوأمين اللذين يكبرانها بثلاث سنوات، غير أن احتفاء العائلة، ووالدها تحديدا، بنجاحها؛ كان له وقع آخر في نفسها ونفس نساء العائلة.

- مبروك نوال. عقبال الفرحة الكبيرة بزفافك الى ابني راسم. قالت عمّتها على مسمع من جميع الحاضرين.
ابتسمت نوال، وبصوتٍ يدل على ثقتها الكبيرة بنفسها قالت:
- لقد قُبلتُ لدراسة "حاضنة أطفال"، في كلية اعداد المعلمين في حيفا.

فتح والد نوال عينيْه ورفع حاجبيه تعبيرا عن دهشته لِما سمعه من ابنته، ونظر اليها وكاد أن يسألها؛ متى حدث ذلك؟ وكيف قمتِ بالتسجيل للكلية دون علمي؟ لكنه تمالك نفسه ولم يسأل، حتى لا يتطور الحديث ويأخذ منحى آخر، فيفسد لمَّة العائلة ولحظات السعادة بهذه اللمَّة. وما حاجة الخوض بحديث حول أمر هو محسوم لديه أصلا. لذلك أغلق الحوار بين ابنته وأخته بقوله:

- دعونا الآن من هذا الحديث، ولنستمتع بأكل الحلوى ولا سيما انه ينتظرنا في الغد عمل شاق في الأرض. نحن، كما تعلمون، في "موسم جني الخيار"، ومنذ الغد سنتجه الى الحقل لجنيِ المحصول.

توجهتْ نوال مع عائلتها الى حقل الخيار، كنهج الأخريات من بنات ونساء قريتها "طمرة" الجليلية في خمسينات القرن الماضي؛ حيث كانت معظم عائلات القرية تفلح أرضها وتتمسك بها في ظل المخاوف التي كانت تعيشها جراء الشبح الذي يطاردها ويهدّد بمصادرة اراضيها في أي وقت.

نوال؛ ابنة الثامنة عشرة ربيعا، والتي رسمت معالم مستقبلها مختلفا عن مستقبل بنات جيلها في تلك الحِقبة من الزمن؛ أظهرت هِمَّة ونشاطا في العمل غير معهوديْن لدى الفتيات من بنات جيلها. تحملت مشقة العمل في الحقل، وسخرت من حرارة شمس تموز الحارقة، ولم تتغيب يوما واحدا عن العمل. كانت تظن أن بتفانيها في العمل وتحمل مشاقه، تُثبت لوالدها أنها انسانة جادَّة، ومسؤولة، وتتحمل الصِّعاب. نوال، ورغم انغماسها في جني ثمار الخيار ونقل الصناديق المملوءة بها من مكان الى آخر؛ لم تنسَ فكرة انتسابها لكلية المعلمين؛ فكانت بين الحين والآخر تطلب النقود من والدها، وتذكّره أن عليها دفْع القسط الأول من رسوم دراستها في الكلية؛ والا؛ فلن تحظى بالدراسة فيها. لكن والدها كان في كل مرة يتجاهل طلبها، أو يطلب منها تأجيل الحديث عن الموضوع.

تيقّنت نوال من أن والدها غير موافق على سفرها الى حيفا لتتابع دراستها، وقد منعه حبه وتقديره لها، من ان يقول لها ذلك صراحة. لكن نوال؛ التي تميزت بفطنتها وجرأتها، وعُرفت بإصرارها وعدم توانيها عن السعي لتحقيق أهدافها، لم تكلّ ولم تملّ من طلب الموافقة على متابعة دراستها والحصول على المبلغ المطلوب لذلك. عندها، وأمام إصرارها، أضطر والدها أن يصرح برأيه قائلا لها:


- ليس عندي بنات تسافر الى حيفا لتتعلم.
شعرت نوال كأنّ يدًا قاسية تعتصر قلبها، وللحظاتٍ، شعرت انها تغوص في الهمِّ كما يغوص الغريق في اللجة؛ فرغم أنها عرفت رأي والدها هذا قبل ان يصرِّح به جهارة؛ الا ان الأمر بات الآن مختلفا بالنسبة لها؛ إذ أيقنت أن معركتها قد بدأت، وأن عليها ان تكسبها بأقل الخسائر.

نوال؛ التي اكتسبت حكمة الشيوخ قبل ان تغادر عامها الثامن عشر؛ أقنعت نفسها أن الليل مهما طال واشتد سواده، لا بدَّ أنه سينسحب مودعا إياها، ويأتي الصبح مقبلا بإشراقته الرائعة، حاملا في طياته تباشير الفرح، إذا ما سعت واجتهدت لتحقيق حلمها، وعافت عتمة انكسارها وخيبتها.

بدأت نوال بتجنيد والدتها لصفها، ثم قريبات لها، لكن دون جدوى. ظل الوالد متمسكا برأيه، رافضا السماح لابنته متابعة دراستها. فما كان على المحارب الا أن غيّر استراتيجية حربه لكي يكسب المعركة.

هرع الوالد وابنيْه باتجاه صراخ قريباتهم القادم من الحقل؛ وعندما وصلوا، رأوا حفرة شبيهة بالقبر وقد تمددت نوال فيها، والتراب يغطي معظم جسدها. كانت نوال قد حفرت قبرها بنفسها وأخبرت بنات عمها الثلاث بأن يهلْن عليها التراب مع حرصهن على ترك مجال لتتنفس؛ وعندما انتهين من مهمتهن هذه؛ بدأن بالصراخ مذهولات، مرعوبات، طالبات المساعدة حسب الخطة التي رسمتها لهن نوال.

هبّ والد نوال وإخوتها لانتشالها من الحفرة، لكنها تمنَّعت ورفضت الخروج منها؛ وكلّما ازدادت مقاومتها، ازداد صراخ ابيها وردّد:
- هل تريدين ان تجلبي العار لي في البلد؟!

- الآن! اختر أنت؛ عار الانتحار أم تحقيق الآمال؟ قالت نوال لأبيها بإصرار وهي تقاومه وترفض الخروج من الحفرة قبل أن تسمع جوابه. وامام اصرارها، رضخ والدها لطلبها.

**********************
بقلم جميلة شحادة، كاتبة وقاصة من الناصرة