كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد




أوراق قديمة: الفُرس القدماء يكشفون المستقبل! 



لقد كان لدى الفرس القدماء (ومن الجائز أن يكونوا قد اتّخذوا هذا عن شعوب وأمم قديمة سابقة لهم) "معابد" يلجئون إليها استكناهاً للغيب واستكشافاً لطالعهم في العام القادم! 
وكانت هذه "المعابد" ذات أرضية مقسمة إلى مربعات مختلفة يسيطر عليها اللون الأرجواني ومشتقاته، ولكلّ مربع رمزه، ولكل لون خاصيته ومعناه!
ويقوم على خدمة هذه "المعابد" (أو على الأصح استغلالها واستغلال الوافدين إليها استغلالاً سيئاً بشعاً!) خادم أو "سادن" قد اكتسب شهرة ومنزلة رفيعة لدى الناس الذين أصبحوا يصدّقون كل ما يقوله ويحسبون أنه على علاقة مباشرة مع الله سبحانه وتعالى وأنه يرى الغيب ويكشف الستر المحجوبة عن بقية البشر ولا يخفى عليه شيء، وكلّ ذلك بسبب الترويج له من قِبل مساعديه وأعوانه ومنافقيه الذين يبثّهم بين الناس سرّاً لنشر أخباره والتأكيد على مصداقيته!


ويلجأ هذا السادن إلى استعمال الكلمات والتعابير المبهمة وغير الواضحة والتي يمكن تفسيرها على أكثر من وجه، ولا ينطق قطّ بشكل قاطع وواضح بأي شيء، وعلامات التشكيك والريبة تتردّد بين كل كلمة وأخرى ينبس بها، وأكثر الكلمات التي يستعملها قد تكون: يمكن، جائز، ممكن، محتمل وما إليها إيغالاً في التضليل والتعمية!
ويأتي الشخص الذي ينوي استطلاع الغيب، فيأخذ أداة ما (تشبه كما يروون البلبل أو "الفرنينة"!) ويديرها على أرض "المعبد"، وتظلّ تدور إلى أن تستقرّ في مربع ما من المربعات المرسومة على الأرض.


ويقوم "السادن" ساعتئذ بتفسير الطالع وشرح الغيب والتبصير، وغالباً ما ينذر بالويل والثبور وبعظائم الأمور لغاية في نفس يعقوب!
وينهار مستطلع الغيب أو يكاد، فالسادن أنبأه أن العام القادم قد يكون قاسياً، صعباً، شؤماً، نحساً، يحمل في جوانبه المرض والموت والفقر والإفلاس!

وقد لا يذكّره أحد أن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً، فقد يكون العام القادم عام خير وبركة وصحة وعافية وثراء وغنى، تماماً بنفس النسبة التي يمكن أن يكون بها عاماً سيئاً، (وهي نسبة خمسين إلى خمسين في المائة!)
ويتملّكه الخوف والذعر، ويتذلّل إلى السادن ويتوسّل إليه أن يرشده كيف ينقذ نفسه من هذا الشرّ المستطير الذي ينتظره ويتربّص به!
وهنا تنفرج أسارير السادن المحتال الخبيث، ويؤكد لنفسه أن هذا المغفّل قد وقع في الفخّ، فريسة سهلة، فينكر بادئ ذي بدء أن يكون الأمر بيده، أو أن له علاقة به...


وإزاء إلحاح المسكين وتوسّله، "يرقُّ" له قلب السادن، ويعده أن يبذل ما في وسعه من أجل مساعدته وإنقاذه من مصيره المحتوم، و"التوسّط" من أجله لتغيير قدره إلى الأفضل...
وتبدأ الشعوذة والتضليل والدجل تنحى منحى آخر، لأن "ذوي الشأن" الذين يقرّرون ما سيحدث في العام القادم بحاجة ماسّة إلى استرضائهم، ونيل رضاهم وصفو خاطرهم، ولا يتمّ هذا بالطبع إلا بتقديم "الهدايا" إلى أرباب هذه المعابد وأوثانها وأصنامها التي تملؤها، من فضة وذهب وجواهر، إلى ملابس نفيسة وثياب وأقمشة، إلى مواش وقرابين حيوانية، إلى أطعمة وأشربة ومآكل، إلى غير ذلك مما يملكه ذلك المغفل المسكين!
وأرباب هذه المعابد وأصنامها وأوثانها لا تأكل ولا تشرب، ولا تحتاج فضة ولا ذهباً، ولا جواهر ولا لآلئ، لذا فالمستفيد الأول والأخير من هذه "الهدايا" (بل الرشاوى والاختلاسات والسرقات!) هم خدمة المعبد وسدنته والقائمون على شؤونه!


والذي يحتاج كل ذلك هم هؤلاء الدجالون المشعوذون الذين يسيطرون على عقول السذّج والمساكين ويوهمونهم بقواهم الخفية وقدرتهم السحرية على استكناه الغيب واستطلاع المستقبل، وهم أضعف من أن يعرفوا ماذا سيحلّ بهم بعد لحظة!
ودالت دولة الفرس، وزالت عباداتهم القديمة، لكن هل دالت هذه الممارسات الشيطانية الخبيثة أم أنها ما زالت مستمرّة بعد أن بدّلت شكلها وغيرت من أساليبها؟