كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



بين التاريخ والرواية الشعبية!


د. منعم حدّاد


دأب المؤرخون ومنذ أقدم العصور والأزمنة على تدوين ما سمعوا وحفظوا من سابقيهم من الرواة، وراحوا يدوّنون المدوّنات والحوليات لتوثيق وتخليد الأحداث الهامة التي شهدوها أو تناقلتها الروايات إلى أن وصلتهم، وكان أكثرها إن لم يكن كلّها يدور حول الملك والقيصر والإمبراطور والخليفة والسلطان والحاكم وغيرهم من أصحاب النفوذ وذوي التيجان والعروش والحول والطول.

كما اعتاد هؤلاء الحكام على أن يأمروا بتخليد انتصاراتهم (لا هزائمهم) وأمجادهم (لا سقطاتهم) بتشييد الأبنية التي ظنّوها خالدة مدى الدهر كالأهرام أو بنقش أخبارهم التي تستحقّ التخليد على الصخور أو المسلات أو ألواح الآجرّ، لكي يورثوا للأجيال القادمة سيرهم وأخبار أمجادهم وعظمتهم!
وكان من البديهي أن يبذل المؤرخون قصارى جهدهم لكسب ودّ أسيادهم هؤلاء وممالأتهم، درءاً لشرورهم وسخطهم ولكي ينالوا لديهم الحظوة لديهم وليمنحوهم العزّ والجاه والكسوة، والهبات والصلات والعطايا والخلع والطعام والشراب، ولذا كان عليهم أن يحسّنوا صورهم ويزيّنوا أعمالهم ويشيدوا بأمجادهم ويتغاضوا عن هفواتهم وزلاتهم، ويغفلوا عن مساوئهم ويتجاهلوا مثالبهم.

ولأن المؤرخين عاشوا في كنف أصحاب السلطة والجبروت فقد جاءت بعض التواريخ مجرّد صحائف من المدح والتمجيد والإشادة بالانتصارات الباهرة والفتوحات المظفّرة، حتى ليخيّل للقارئ أحياناً أن لا هزائم ولا انكسارات ولا فشل ولا خيبة أمل، فالكل ورديّ زاهر ناصع، وغدا بعض المؤرخين أبواقاً لأسيادهم وأولياء نعمتهم الحكام، ينقلون للأجيال القادمة - كما حسبوا – ما شاء هؤلاء، وهم في ذلك "مدّاحون وهتّافون" لا يفوّتون مناسبة لا يشرئبون فيها بأعناقهم مادحين أسيادهم مشيدين بـ"أولياء نعمتهم"، ناسبين لهم من الصفات الحميدة والسجايا الفريدة ما لو وزّع على أهل الأرض لكفاهم، رغم أن هؤلاء "الممدوحين" كانوا على عكس ما ينسبون إليهم، أو على الأقل ليس كما وصفوهم ونعتوهم، فهم في نظر هؤلاء الأفضل والأمثل والقدوة والنموذج وعلى كل المستويات وفي كل الميادين!

وفي أجواء كهذه كثيراً ما تسقط أو تتساقط أو يتّم إسقاط الكثير من الأحداث وماجريات الأمور التي يغفلها المؤرخون أو يتغافلون عنها عمداً، لهاثاً وراء كسب ودّ السلطان، وهنا تضيع حقائق كثيرة، ولا ينقذها من النسيان إلا الرواية الشعبية الشفهية.

* * *

والشعب في العادة جبّار واعٍ مدرك لكل ما يجري ويدور حوله، حتى وإن "ابتلع لسانه" حرصاً على حياته وخشية من سطوة الحاكم وتلافياً لبطشه وعنفوانه، ويعاين الشعب بأم عينيه ويسمع بأذنيه تحسين الواقع وتزيينه وتزويقه إيغالاً في الكذب والنفاق و"مسح الجوخ"، ولا يجرؤ على الاعتراض أو البوح بحقيقة الوضع المزري والحال الكئيب الذي يكتنفه، فيسكت على مضض، ويتحيّن فرصة ذهبية لعلها تؤاتيه فيصرخ بأعلى صوته مشيراً إلى الحقيقة المرّة!


وقد لا تؤاتي مثل هذه الفرصة بالسرعة المتوقعة، والشعب لا يطيق الانتظار إلى الأبد، فيعمد للبوح بمكنونات نفسه، ولكي ينجو من عقاب السلطان الغاشم وبطشه فيما لو بلغه ما تخفيه الصدور الغاضبة، يلجأ الشعب إلى الرمزية، وإلى الرواية الشعبية الشفهية، فيحمّلها كلّ ما يحمله في ثنايا روحه، لينقلها إلى سائر أطياف المجتمع، ملفّعة بثوب فضفاض من الرمزية بحيث يستعصي على كل الوشاة و"المخبرين" سبر أغوارها واستجلاء غوامضها، ومن ثمّ ينقلها بطريق عفوية إلى الأجيال القادمة.

لكن ثمّ خطراً يتربّص بالرواية الشفهية السائرة على هذا المنوال، ألا إنه خطر الاختلاف والتباين والإطناب والاختصار والزيادة والنقصان، فقد تنشأ روايات وروايات لا حصر لعددها للخبر نفسه أو الحادثة عينها، حتى ليخيل للمرء أحياناً أنّه يقف أمام أحداث كثيرة لا يكاد يجد بينها شبهاً كبيراً.
وإن رأى بعض الباحثين عيباً في تعدّد مثل هذه الروايات، فيرى بعض آخر أن كل رواية أخرى هي إبداع أدبي شعبي فولكلوري مستقل ومنفرد وقائم بذاته، ويستحقّ العناية والاهتمام!

ومثل هذه الروايات والحكايات المجهولة المنسية لكنز ثمين لا يعادله تبر ولا ذهب، ويملأ المجلدات الضخمة، لو ساق لها الله من يهتمّ بها ويطلقها من إسارها ويخرجها إلى النور.

* * *

ويحكى أنه في أحد تلك الأزمنة الموغلة في القدم بدأت شمس الإمبراطوريات العظيمة تميل إلى الغروب، وتدول بها الأيام، وتتهاوى العروش كأوراق الخريف أمام جحافل بني عثمان، الآتية من الشرق، زاحفة على أعقاب أجدادها البرابرة، حاملة معها الموت والدمار، فاكتسحت هذه القبائل العثمانية الوافدة في طريقها بلاد فارس وأرض ما بين النهرين (بلاد الرافدين) وآسيا الصغرى برمّتها، وأرست بيارقها في القسطنطينية وغيرها من أرقى وأعظم حواضر العالم آنذاك، وسحقت بسنابك خيلها بلاد جنوب شرق أوروبا، متغلغلة حتى قلبها، ومالت صوب بلاد الشرق الأدنى وما تلاه مما لم تحتله من بلاد الهلال الخصيب، بما في ذلك بلاد الشام وجزيرة العرب، فما صمدت بلاد أمام غزوها الفتاك هنيهة، وما هو غير وقت قصير حتى داست بخيولها شمال أفريقيا كلّه، مخلّفة وراءها الدمار والخراب حيثما حلّت وأنّى توجّهت!

وكان لا بدّ لهؤلاء الغزاة الجدد من تنظيم شؤون حكمهم وترسيخ سلطانهم في البلاد المفتوحة وعلى الأمم المقهورة، وليس مثل هذا الأمر بالسهل أو الهين، بل على العكس، فإنه يتطلب قوى وكوادر ووسائل وأساليب هائلة!

وسرعان ما أفلحوا بذلك وثبتوا أركان حكمهم لقرون، وأقاموا مدنية زاهرة وحضارة عامرة، لم يبق منها الكثير يوم آلت ودالت لتختل محلها مدنيات وحضارات أخرى جديدة، وما زال الحال يستمرّ على مثل هذا المنوال...