كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



أوراق قديمة: شؤون التربية والتعليم! 


بعدك يا بو عيون السود...

"يعدك يا بو عيون السود ع حالك بعدك..." هي كلمات أغنية للشاعر الجليل الراحل عبد الجليل وهبه، غنتها شحرورة الوادي صباح وفنانون آخرون، قفزت إلى الذاكرة لمرأى المواد التالية التي خطها اليراع قبل عقود، وتثبت مراجعتها יنها ما زالت مناسبة للحاضر وكأنها كتبت اليوم، لأن شيئاً كما يبدو لم يتغير للأفضل ولا للأحسن، بل على العكس، فأول انطباع قد يحصل لدى المرء هو أن الماضي كان أفضل من الحاضر بكثير، وقد يكون أفضل من المستقبل أيضاً، إذا لم يقم المسؤولون بواجباتهم ويستدركون الأزمة قبل وقوعها. 

وكل ذلك لأن الوضع أصبح أسوأ مما كان عليه كما يبدو وسيزداد سوءاً بمرور الزمن إذا لم يتم تداركه قبل فوات الأوان!

ومما خطه اليراع حينئذ كانت المواد التالية:

"القصير من قدّام"؟


يخيل للمرء أحياناً أن بعض ما يربى عليه التلاميذ في المدارس لا يمتّ بأي صلة إلى الحياة اليومية، فما أكثر ما يردّدون عبارة "القصير من قدّام والطويل من الوراء" في المدارس رسمية كانت أم خاصّة، وفي جميع مراحلها، فقد دأب القائمون على النظام المدرسي على "تصفيف" وتنظيم التلاميذ حسب طول قاماتهم، فيصطفّ قصار القامة في المقدمة، وبالتدريج يصطفّ وراءهم من هم أطول منهم قامة، وهكذا نجد أقصر التلاميذ قامة في أول الصف، وأطولهم قامة في آخره، وهكذا يصطفون في "طوابير" الصباح، وبعد "استعد" و"استرح" و"انتظم" و"أسبل" عدّة مرات للسكوت والتركيز، "يستمتعون" بآخر التعليمات التي لا تنتهي وتتكرّر كحكاية إبريق الزيت!

ويدخل التلاميذ بعدئذ إلى صفوفهم ويجلسون كلٌّ تلميذ بحسب طوله، فيجلس قصار القامة في المقاعد الأمامية لكي لا يحجبوا رؤية المعلم (واللوح) عن طوال القامة الجالسين عادة في المقاعد الخلفية!

ويعيش التلاميذ في ظلّ هذا النظام سنين كثيرة حتى يذوّتونه، ويصبح جزءاً لا يتجزّأ من سلوكياتهم ونهجهم!
ويأتي اليوم الذي يشبّون فيه عن الطوق ويهجرون مقاعد الدراسة إلى الحياة العملية، إلى الدنيا الواسعة، إلى حيث الحقيقة والحياة التي لا تلتزم بقوانين المدرسة!

ويحاول المساكين قصار القامة الاصطفاف في مقدمة الصفوف، لكنهم مساكين لا حول لهم ولا طول، فيأتي طوال القامة ويدفعونهم خلفاً، إلى الوراء، إلى الصفوف الأخيرة، حيث أن الحياة لا تضمن المقاعد الأولى لقصار القامة بل لطوالها ولذوي العضلات المفتولة!

فلا نجد مسيرة ولا مظاهرة ولا عرضاً ولا استعراضاً يقوده قصار القامة، لأن مكان هؤلاء في المؤخرة، حيث لا يحفل بهم الكثيرون، فالصدارة ليست لهم، ولا حقّ لهم في اكتساح الواجهة، لأن المقدمة حكر على طوال القامة!

لمن النظام؟

وليس طول القامة وحده هو الذي يكاد يتسبب بالإحباط للتلاميذ الأبرياء، حيث يعلمونهم شيئاً في المدرسة، وعندما يتخرجون منها يصطدمون بعكسه تماماً في ميدان الحياة الصاخب، ويجعلهم يقفون حيارى إزاء ما يرون ويشاهدون!

فالتلميذ يقضي سنوات عديدة ملتزماً بالنظام وبالتوقيت الدقيق، فكلّ درس يبتدئ في ساعة محددة معينة بالضبط، لا يتأخر دقيقة ولا يتقدم دقيقة، وإذا ما تأخر التلميذ دقائق معدودة عرّض نفسه للعقاب والقصاص، إذ من واجبه المحافظة على المواعيد والالتزام بالمواقيت!

أما حين يكبر ويدخل معترك الحياة فيتبيّن له أنّ ما علموه إياه في المدرسة حبيس جدرانها، لا يتخطّاها قيد أنملة، فهنا كثيراً ما يفوز بقصب السبق وللأسف المشاغب والفوضوي ويفشل الخلوق المهذب...

ويعيّن مثلاً موعداً هامّاً في "مكتب محترم"، ويحضر في الوقت المحدد، محافظة على النظام الذي ذوّته، ويصل قبيل الموعد بدقائق، وينتظر...
ولا يحين دوره رغم مرور الوقت، ويتساءل عمّا يجري فلا يحير أحد جواباً، سوى أن الوقت ليس من ذهب، والمراجعون كثير والحمد لله ومبروك للمشاغب والوقح والمخالف الدور، وإن "تأفّف" ولام ما عاينه من فوضى يصبح ملوماً يلومه الآخرون لمطالبته بتطبيق النظام والالتزام بالمواعيد!
كذّابون!


وليت الأمر يتوقف عند هذا الحدّ، فهو كتلميذ اعتاد على قول الصدق والحقيقة ولا شيء غيرهما، والكذب عار وعيب وجريمة لا تغتفر في عرف التلاميذ الأبرياء!

ويتخرّج التلميذ من المدرسة ليجد من الكذب ألواناً وأشكالاً لا عهد له بها من قبل!
يدخل دكان فاكهاني فيقسم له البائع أن هذا البطيخ بدون بذر على سبيل المثال فيفتح واحدة منه ليجدها محشوة بالبذر حشواً!

ويسأل أحدهم عن أمر ما فيجيبه بأغلظ الإيمان أن الأمر كيت وكيت، ولا يلبث أن يكتشف أن هذا الذي أقسم أغلظ الإيمان مجرّد كذّاب محترف!
ويشتري سلعة فيقول له البائع أنه أخرجها للتو من الثلاجة، فما يسير بها خطوات حتى يعبق أنفه برائحة فسادها!

ويبتاع سمكاً "طازجاً خرجاً لتوه من البحر" وسرعان ما يتأكد أن هذا السمك لم يزر البحر ولو مرة واحدة في حياته غير المديدة وأنهم أتوا به من بركة المزرعة السمكية قبل أسابيع وما يكاد يفارق الثلاجة حتى يقطع العفن أوصاله!
* * *

أما كذب بعض الموظفين فحدّث عنه ولا حرج!

فبعض هؤلاء الموظفين يتبارون ويتنافسون في التسويف والمماطلة، ولهم حماية وذرائع وفنون في أكاذيبهم غير المنتهية!
فيلقون بالمسؤولية أحياناً على موظف آخر أحيلت له المعاملة ولم ينجزها بعد، أو يلقون بتبعة التأخير على القانون الذي يفرض على الموظف القيام بكذا وكيت من خطوات تعيق كلها التنفيذ وتحدّ من سرعة الإنجاز، وقد يقولون إن الوضع الراهن لا يسمح بالإسراع في تنفيذ المعاملات، لأن أزمة الأسلحة النووية الإيرانية لم تحل بعد، والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية لم تتجدّد، ومركبة الفضاء التي أطلقت باتّجاه الشمس لما تصلها بعد!

ويتساءل المواطن المسكين: وما لمعاملتي أنا ولكل هؤلاء؟

ويتظاهر الموظف الكذّاب وكأنه يكاد يصعق، ويوهم المراجع المواطن المسكين أنه يتنازل عن حقّه في مجازاته على تلميحه وتعريضه بمثل هذه الأمور كرماً وحسن أخلاق، ولولاهما لكن زجّ به في غياهب السجون لأنه أنكر العلاقة الجدلية بين معاملته لربط بيته بشبكة الصرف الصحي وبين أزمة الأسلحة الإيرانية وهبوط مركبة فضائية على قرص الشمس!