كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



أوراق قديمة: أهي وحدة مصائب وكوارث، أم وحدة عربية؟ 



منذ القدم وحلم الوحدة يدغدغ آمال الشعوب العربية، التي كانت وما زالت أعضاء في جسم واحد، نشأت من نفس الأصل والعرق والمحتد، مجرد إخوة فرق بينهم الزمان والمكان، ويبقى انتماؤهم الأول والأهم إلى شعبهم الواحد، ولطالما تغنّوا بوحدة الهدف ووحدة المصير...! 


وازداد الشغف بالوحدة والحرية والتحرر تحت نير العثمانيين الغاشم، لكنه بقي حلماً يراود الخيال، إلى أن ازاحت الحرب العالمية الأولى كابوس العثمانيين الذي جثم على صدور العرب حوالي خمسة قرون كاملة، ولكن ليس قبل أن يجري استبداله بكابوس آخر ليس بأقل سوءاً منه، كابوس الانتدابين البريطاني والفرنسي...

وشهد القرن العشرون تحرّر الشعوب العربية من نير الاستعمار وأوزار الانتداب وأوبئة الوصاية بشتى أشكالها، وفاز بحكمها من فاز، وثار من ثار، وقام بالانقلابات من قام، وتغيرت خريطة العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

ومن سخرية القدر أن يبادر بعض المستعمرين، بحسب بعض المصادر، وغداة انتهاء الحرب العالمية الثانية لتأسيس جامعة الدول العربية، لتكون الخطوة الأولى في مهمة توحيد الدول العربية...

ويقال إنهم بادروا إلى مثل هذه الخطوة ليس حبّاً في عيون العرب، وإنما لتسهيل التعامل معهم، أو قل لأجل حكمهم عن طريق "وكيل أو نائب" واحد يكلفه الأجانب بتمثيل العرب أمامهم وبتمثيلهم أمام العرب، ومن قد يكون أفضل من "جامعة" للقيام بمثل هذا الدور التراجي-كوميدي؟

وجاءت بعد ذلك الوحدة التاريخية بين مصر وسوريا في العام 1958 لتشكّل "الجمهورية العربية المتحدة"، بقيادة القائد الخالد جمال عبد الناصر، والرئيس السوري شكري القوتلي، لكن القوى الأجنبية لم تمهل هذه الوحدة كثيراً، فسرعان ما تمّ تشكيل "حلف بغداد"، كـ"كتلة موازية" لـ"الجمهورية العربية المتحدة"، وضمّ هذا الحلف بشكل رئيسي المملكة الأردنية الهاشمية والعراق، لكن العراقيين أسرعوا يثورون على هذا الحلف وعلى أقطابه بثورة 14 تموز 1958 و"يسحلون" أساطينه في شوارع بغداد، لتبدأ سلسلة من الانقلابات والثورات التي لم تنته كما يبدو حتى اليوم.

ولم يكن مصير الجمهورية العربية المتحدة بأفضل من مصير حلف بغداد بكثير، فلم تمض ثلاث سنوات حتى قام الانفصاليون السوريون بوحي من أسيادهم بشقّ عصا الطاعة وفصم عرى الوحدة...


وجرت محاولات "وحدوية" أخرى في العالم العربي منذ تلك الأيام وحتى يومنا هذا، لكنها لم تكن يوماً جادة ولا على المستوى المطلوب!

وما أن ارتفعت شمس القرن الحادي والعشرين لتستقر في كبد سمائه حتى انطلقت تباشير الربيع العربي ليعبق بها الجو، حاملة معها أريج الحرية ونفح الديمقراطية والعدل والمساواة والقيم والأسس التي تضمن للفرد حريته وحقوقه الكاملة، وأطاحت بالطغاة والطغيان وبعروش الظلم والاستبداد والأقزام المتعملقين.

وطبّل العالم وزمّر لهذا التحول الربيعي الذي لا سابقة له في تاريخ الشعوب، والذي ضاهى أو كاد الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات التحررية التي تصون كرامة المواطن وتحفظ حقوق الإنسان أيّاً كان!

لكن هذا الربيع الأخضر اليانع سرعان ما تلون بلون الدم الاحمر القاني، الذي خضب وجوه العالم العربي من خليجه إلى محيطه، غير مستثن تقريباً أيّ شعب من الشعوب العربية، محقّقاً أسوأ وحدة مصير ووحدة هدف سوءاً وأشدها إيلاماً، وراحت قطعان البرابرة الجدد وأوباش العصابات المختلفة والتي تحارب تحت شعارات سامية هي منها براء تعيث في العالم العربي الفساد وتريق الدماء الطاهرة الزكية، وتقتل وتبيد وتفني وتأسر وتسبي وتغتصب وتشرّد وتدمّر وتخرّب حاملة الشعوب العربية إلى دياجير هي من أشدّ فترات التاريخ ظلاماً وحلكة، "موحّدة" عدة شعوب عربية في مصاب أليم.

فالعراق ما زال ممزق الأشلاء، مهشماً محطماً، وقضي على أجزاء لا يستهان بها من شعبه، وسوريا ليست بأفضل حظّاً، فالملايين من سكانها غدوا لاجئين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، ومثلها ليبيا، واليمن، اللتين تحولتا إلى ميادين قتال دامية.

ولم تنج "أم الدنيا" مصر الأهرام من براثن الإرهاب والقتل، ولا تونس الخضراء التي اسودّت، ولا لبنان النازف الجراح منذ عقود، ولا الخليج ولا السعودية ولا السودان ولا سواها...

فهل هكذا تتحقّق أخيراً "الوحدة"، ولكن ليس وحدة الهدف والمصير، وإنما وحدة الإرهاب والقتل والخراب والتدمير والتهجير، وحدة المصاب لعدة شعوب عربية، ويا لها من "وحدة" بائسة تعيسة!

وثمّ من يتّهم "الآخرين" بالوقوف وراء هذه المصائب والكوارث، ولا ندري مدى تورّط "الآخرين" في هذه الأعمال البربرية والهمجية والوحشية، ونحن لا نبرئ "الآخرين"، لكن يقيناً إن الأيدي الملوّثة بالدم التي تنفّذ هذه الجرائم ليست أيدي "الآخرين" وإنّما – وللأسف - أيد عربية صميمة، وباسم شعارات سمحاء وتحت رايات سامية هي من هؤلاء ومن أعمالهم براء!