كنوز نت - بقلم : محمد سواعد- ابن الحميرة


نحو مشروع إصلاح مجتمعي:


المقدمة:

تمر المجتمعات والأمم بفترات ازدهار وإقبال في حياتها، كما تتعرض لحالات انتكاس وضمور واضمحلال فكري تربوي، ولا شك أن كلا من الازدهار او الانحطاط نابع عن عوامل متعددة تتعلق بالمجتمع نفسه والبيئة المحيطة به والعوامل السياسية والاقتصادية والتربوية والنفسية والاجتماعية التي ترافق هذا المجتمع، وهذه السيرورة الحياتية هي التي تشكل حضارة الأمة وثقافتها وحسن أو سوء تعاملها مع الظروف المستجدة في الحياة.

الأمة العربية والإسلامية منذ بعثة الإسلام وسطوع نوره مرت في منعطفات وتجارب متكررة كان لها أعظم الأثر في بلورة شخصيتها وهويتها فكريا وثقافيا وعقائديا، وعرف علماؤنا على مر الدهور والعصور بحسن فقه الواقع وحسن التعاطي معه، فمن شافعي شفع للأمة في علمه، إلى حنفي فتح سبل العلم كالماء مدرارا، إلى مالكي ملك القلوب بحسن صلته برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى حنبل أضاء الطريق للسالكين بحسن تودده لأهل العلم والطلب عنهم، إلى غزالي غزل للأمة سبل الإحياء الأمة العربية، إلى ابن عبد السلام الذي صدح بكلمة الحق عند سلاطين ظلمة؛ وغيرهم من أكابر أهل اللم والفضل الذين أناروا بعلمهم الطريق للسائرين.


ومع كل التراث الغني والسيل الجارف من خلاصات تجارب الأولين الذين أناروا الطريق للعالمين إلا أننا نعيش زمانا أصبحت الأمة تتخبط فيه بنفسها ولا تدري خلاصا لنفسها فضلا عن البشرية، ولعل من نافلة القول أن غياب الحضارة الإسلامية عن مسرح السيادة في الكون هو السبب الذي أدى إلى انتشار الظلم والفساد في العالمين، هذه الحضارة التي أعطت كل ذي حق حقه، وأصلت الأصول وقعدت القواعد التي انبثقت عنها كل معالم الحضارة الإنسانية، وقد ينسب البعض سبب هذا الانحسار في الشهود والوجود الحضاري الفاعل للأمة الإسلامية إلى مكر ومؤامرات أعداء الأمة والذين وصف الله تعالى مكرهم: ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) إبراهيم، 46)، ومع كل ضخامة هذا المكر وشدة إحكامه إلا أنه يزول ويضمحل ويتلاشى أثره عند وجود العلماء المتنورين أصحاب البصائر النيرة، فهذا ابن حنبل وقف بالمرصاد وحده لواحدة من أعظم الفتن التي نزلت بالأمة يوم القول بخلق القرآن في زمن الخليفة المأمون، فصبر الإمام وعذب وسجن وضرب حتى نصر الله العقيدة الأصيلة وعاد الناس إلى رشدهم حتى قال المزني رحمه الله: "عصم الله الأمة بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة"، فالعلماء هم شموس الأمة في نهارها ونجومها في ليلها، فإذا أشرقت شمس وظهر مجدها يكون دور العلماء في الحفاظ على هذا المجد وإذا دارت الدوائر وغابت شمس الأمة فإن دور العلماء أن يكونوا نجمة الشمال لإنقاذ الأمة من براثن الضياع.

إن الأحداث والنوائب العظام التي تنزل بالبشرية عامة والأمة العربية والإسلامية خاصة اليوم بسبب غياب الدور الحضاري للأمة الإسلامية يحمل وزره المسلمون أنفسهم يوم أن قصرت هممهم عن تحويل التراث الزاخر من الكتب والنظريات التربوية الإسلامية لتشكل أسلوب حياة للإنسانية المتعبة، وانشغل المسلمون في ردود الأفعال بدل صناعة الأحداث محليا وعالميا، فنحن الأمة العربية والإسلامية نملك من الرصيد الأخلاقي والقيمي والفقهي ما فيه شفاء للإنسانية جمعاء مما تعانيه من أزماتها النفسية والفكرية، هذه الأمة التي ينبغي أن تبدع اليوم في تقديم مشروع إصلاحي مبني على كرامة الإنسان أولا، بخلاف الحضارات التي تعيث في الأرض فسادا يوم قدمت المادة على الإنسان.

محمد سواعد- ابن الحميرة
مدير جمعية الأقصى: