كنوز نت - محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة


بين فكي التمساح: 


عانى الفلسطينيون الأمرّين بعد نكبة عام 1948، ونزلت بهم نوازل لا قبل لهم بها، وبات الحليم حيرانا، وكثير منهم من لم يستسغ ما حل بهم، حتى إن شعور الكثيرين منهم كان أننا خارجون لأسبوع ثم نعود إلى بيوتنا، ومنهم من ترك طعامه يغلي على النار، ومنهم من تركت ابنها في البيت من شدة الهلع والخوف الذي نزل بهم، وبدأت رحلة البحث عن الذات في مخيمات اللجوء والشتات ومسيرة البحث عن الإخوان والأقارب والأبناء وسؤال كل قادم من بعيد عن كل الأحباب والأصحاب.

كانت نكبة عام 48 نكبة للإنسان قبل نكبة الأوطان، فقد انهدمت الروح المعنوية عند الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني من هول الصدمة التي مرت بهم، وهنا حاول المرجفون ورجال السلطة أن يملؤوا الفراغ ويشكلوا مرجعية لهذا المجتمع المسكين، وراجت الإشاعات والفتن وانتشر الظلم وعم الفساد.
وحاولت السلطة الإسرائيلية ان تستفيد من هذا الواقع الجديد إلى أبعد الحدود فقامت بمصادرة الأراضي وهدم المساجد ومصادرة المقابر والأوقاف الإسلامية في غفلة من الزمن، وظنت هذه السلطة أن الشعب الفلسطيني سيبقى يرزخ تحت وطأة الصدمة، ونسيت أن رماد النكبة لا يخلو من جمر الشوق والحنين والهوى لأندلس الشرق ومهبط الرسالات.

نار تحت الرماد: 

حاولت السلطة الإسرائيلية جاهدة أن تفرض واقعا جديدا على الشعب المنكوب فقامت في عام 1976 بمحاولة مصادرة أراضي المل في منطقة سخنين واستعملت القوة والسلاح لفرض هذا الأمر وترهيب المواطنين، وفجأة هب المواطنون العرب من تحت "رماد النكبة" واشتعلت فيهم روح الحمية والنخوة ووقفوا أمام أعتى الأسلحة بصدور تشتعل فيها إرادة الحرية والحياة الكريمة رغم كل التهديدات والبطش ودخول الدبابات الإسرائيلية لمحاصرة البلدات العربية، وارتفع الشهداء ولبت الجماهير النداء وكان يومها الإعلان عن يوم الأرض الخالد الذي شكل مفصلا تاريخيا في علاقة الفلسطينيين بالدولة.


نجوم فوق الأقصى:

في عام 1990 حاول بعض غلاة اليمين استفزاز المسلمين في الأقصى بمحاولة جلب القرابين وذبحها على عتبات الأقصى في عيدهم فتنادى المسلمون من القدس والضفة والداخل الفلسطيني للرباط والدفاع عن الأقصى فهبت نسائم الشهادة لترتفع نجوم عتية على الترويض مهما حاول المحتل أن يفرض إرادته بأعتى أنواع القوة والسلاح، وهذا المشهد تكرر في عام 2000 عندما دنس شارون المسجد الأقصى مع بعض وزرائه في محاولة لفرض واقع جديد فارتقى الشهداء فداء للأقصى.

نحو واقع جديد:

بعد هبة الأقصى وما نجم عنها من شبه "عصيان مدني" في الداخل الفلسطيني عملت أذرع السلطة بكل وسائلها لإغراق المجتمع الفلسطيني في دوامة الدماء والقتل والجريمة، وأطلقت السلطة أيدي المجرمين لينشروا الفوضى ويسفكوا الدماء، وكل ذلك بغطاء من الملاحقات القانونية والقضائية، فقطفت هذه الجائحة آلاف الأرواح البريئة ونشرت الفساد في المجتمع منذ عشرين عاما، ولكن هذه السلطات تنسى أو تتناسى أن دوام الحال من المحال، ولعل هؤلاء المجرمين الذين أطلقت لهم السلطات يد الإجرام والقتل ينقلبون عليها في لحظة ندم على ما آلت إليه أوضاعهم وعقب انهيار نفسياتهم بسبب كثرة دعاء المظلومين عليهم، بدعوة أم ثكلت وحيدها أو أب فقد حياته عندما قتل ابنه أمام ناظريه، فضجت السماء بدعوات من قلوب مكلومة، وما أقرب دعوة المظلوم إلى عرش الرحمن. 

ضوء في نهاية النفق:

رغم كل المآسي والأحزان التي يتنفسها المواطن الفلسطيني في الداخل، والتي أصبحت جزءا من حياته إلا أن أضواء كثيرة باتت تلمع اليوم في وسط نفق الآلام وليس فقط في نهايته، فهذه الأزمات ما هي إلا مقدمات لفرج دائم وتمكين ونصر وعزة لهذا المجتمع المغلوب على أمره وما ذلك على الله بعزيز، فقد عانت الأمم والدول نكبات اشد وأعتى من نكبة المواطن الفلسطيني ففي أوروبا وحجها قتل على مذبح الطائفية مئات آلاف البشر قبل أعوام ليست ببعيدة، ثم نفضت عن نفسها رداء الخمول والكسل والفرقة لتصنع واقعا جديدا، فهل نحن على أعتاب فرج قريب؟!