كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


أوراق قديمة: "حوّاء" تعلّم الأفعى؟ 


ويحدّثنا الكتاب المقدس في "سفر التكوين" كيف خلق الله آدم، ثم يقول "وغرس الرّبّ الإله جنّة في عدن شرقاً، ووضع هناك آدم الذي جبله... وأخذ الرّبّ الإله آدم ووضعه في جنّة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى الرّبّ الإله آدم قائلاً:"من جميع شجر الجنّة تأكل أكً، وأما شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت"! 
وينبئنا الكتاب المقدس لماذا خلق الله حوّاء: "ليس جيداً أن يكون آدم وحده..."!

وكانت الحية كما يصفها الكتاب المقدس "أحيل جميع حيوانات البرّيّة التي عملها الرّبّ الإله"، وسرعان ما أغوت حوّاء أو غررت بها أو خدعتها أو ضللتها، فالتسمية ليست مهمة، والمهمّ أنّه في أعقاب "حوارها" مع حوّاء اقتنعت حوّاء بكلامها وأكلت من شجرة المعرفة إياها، وليس هذا فقط، بل إنها "أعطت رجلها أيضاً معها فأكل"!

ويرى بعض مفسّري الكتاب المقدّس أن مسؤولية حوّاء لم تكن بأقلّ من مسؤولية الحيّة بل تفوقها، إذ لو لم تكن مستعدّة لارتكاب تلك الخطيئة لما اقتنعت بكلام الحية، ناهيك عن أنّها هي التي شجّعت الحية بشكل غير مباشر على الولوج في حديث شجرة المعرفة وأفسحت لها المجال لتضليلها، كما أثبتت أنّها غير أمينة على السرّ الذي حملته، ولم تَصُنْهُ!

وآدم نفسه أيضاً لم يكن أكثر تعقّلاً من حوّاء، وحاول التستّر بها على خطيئته هو بتحميلها وزر ما جناه على نفسه!
وخلال القرون تبلورت وترسّخت فكرة أن الحية هي التي ضللت حوّاء وأغرتها على ارتكاب تلك المعصية، وأن حوّاء هي التي خدعت آدم وحملته على ارتكاب تلك الخطيئة المميتة!

وبلغ الأمر حدّ المماهاة بين الحية وبين حوّاء، وذهب كثيرون إلى أبعد من ذلك، وفسّروا الحية في الأحلام بأنها هي المرأة، والمرأة هي الحيّة، ويقولون :"الحيّة مريّة" (أي امرأة!)

وأصبحت الحية رمزاً للخطيئة، والمرأة – وبسبب تلك العلاقة القديمة مع الأفعى - نالها قسط من هذا المجد المشبوه، ولم يغفر لها ذلك تحوّلها فيما بعد إلى إلهة ومعبودة وأمّ سيطرت عبادتها خلال قرون كثيرة في مناطق شاسعة من المسكونة، وتغنى سفر الأمثال بالمرأة الفاضلة، وظلّت النظرة إليها في بعض الحضارات دون ما تستحقّ بكثير!

وظلّ البعض يقارن بين الحية وبين حوّاء وبنات حوّاء، حتى دونما ذنب اقترفنه، فهكذا كان التوجّه الذكوريّ لمؤسسي الحضارات ومنظّري الفلسفات المختلفة!

ونجد اليوم أن حوالي نصف سكان العالم– أو أكثر أو أقلّ بقليل - هنّ من النسوة، من الـ"حوّاءات" الجديدات اللواتي يواصل بعضهن طريق حوّاء الأم، ويناهز عددهن جميعاً بضع مليارات من النسوة!


و"حوّاءات" زماننا أثبتن جدارة المرأة وتفوّقها في شتى الميادين وكافة المجالات، فنجد منهنّ الملكات ورئيسات الجمهوريات والحكومات والوزيرات وعضوات البرلمانات (رغم قلتّهنّ النسبية)، ونجدهن في كل مجال من مجالات الحياة، متفوقات مميزات ناجحات في أعمالهنّ، ويوفقن بين بيوتهنّ وبين أعمالهن الملقاة على عاتقهنّ!

كما نجد بعض مجالات العمل قد أصبحت حكراً على الحوّاءات" تقريباً، كالتمريض والتربية والتعليم، حيث تشغل النسوة نسبة عالية جدّاً فيها، وكذلك في الوظائف البنكية والمصرفية، وضيافة الطيران والأزياء والفنون وسواها.
و"حوّاء" هذه تدّعي أنّها ذكيّة عبقرية قادرة على كلّ شيء، تتفوق على آدم في ميادين شتّى!

ولا يخفى على أحد أنّه مثلما بين أحفاد آدم من يفوق جدّه آدم في كلّ ما قام به من خير ومن شرّ، فكذلك قد نجد بين سليلات حوّاء "الأم" التي يحمّلها البعض وزر الخطيئة الأولى من هي أحيل وأسوأ من الحيّة نفسها وتستطيع أن تعلّمها "الفنون" على أصولها!

وحوّاء التي مثل هذه لا تخجل من شيء ولا تتورّع عن شيء، لسانها ليس بحصانها، فهو منطلق العنان وقد أفلت من عقاله فتبرّأ منها، ولا يعني هذا أنّها تستعمل ألفاظاً نابية، بل يعني أنّها لا تتورّع عن قلب الأبيض أسود والأسود أبيض، تسمعها تشرح كيف تشرق الشمس وقت الغروب وتغرب وقت الشروق فتكاد تصدّق دجلها، وتشرح كيف يشرق القمر من الغرب ويغرب في الشرق، فتكاد تروح تراقب طلوعه من المغرب، لإجادتها حرفتها في الكذب والدجل والتدليس!

جلدها أملس أكثر من جلد الأفعى السامة، تلقمك السمّ في الدسم فلا تنتبه له إلا بعد أن يسري في العروق!
قالوا عن مثلها على لسان العامة "حلساء" ملساء طاهرة نجسة دنسة، خبيثة دجّالة تحترف الكذب وتمتهن النفاق والرياء، وتمارس الكذب والزيف والزور والبهتان والتضليل ولا يندى لهن جبين!
تخالها تبتسم وتتأملها فتبدو أنيابها صفراء حقداً ولؤماً لا ابتساماً!

تمدّ يدها لتصافح يدك وما أن تمسك بيدك حتى تحاول عضّ اليد التي مددتها لها، ككلبة مسعورة، خداعة مكارة غدارة، "تمشي في دربك لتعقر جنبك"، لم تُبقِ قبحاً لم تختزنه في محصلة سلوكياتها، لا تتورّع عن رذيلة، ولا تترفّع عن دنيئة!

ويقيناً أن مثل هذا الـ"حوّاء" الشاّذة الغريبة النادرة الوجود أحيل من الحية، وأسوأ من كل الحيايا و"ألعن" من جميع الأفاعي السامة، ولا علاج لها إلا بسحق رأسها بعقب كما جاء في "سفر التكوين"، والأفضل أن يكون عقب حذاء مسمّر...