كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


    

مشروعية محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي



يُعد محمد عابد الجابري أحد أشهر وأبرز مفكري ومثقفي المغرب والعرب العضويين النقديين، ومن ثوابت العقلانية العربية. شكلت أفكاره وإسهاماته بداية لمرحلة مغايرة ومختلفة في تاريخ الفكر العربي الحديث. وأهم الافكار التي تناولها : نقد العقل العربي ومسائل التراث والديمقراطية والدولة الوطنية المدنية ومسألة الهوية.

وللجابري أكثر من عشرين مؤلفًا في حقول فكرية وفلسفية متقاربة، ومتشابكة بين منهجي العقلَانيين الكبيرين ابن رشد في الفلسفة والفقاهة التجديدية، وابن خلدون في الاجتماع والتاريخ، وازمة المثقف العربي في القرن الرابع عشر ما بين الرياسة العلمية والرياسة السياسية. ومن أهم منجزاته الفكرية والبحثية التي اشتهرت رباعية نقد العقل العربي، التي جاءت في أربعة أجزاء، وهي " تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي ". وهذه المؤلفات تشكل إسهامًا كبيرًا في تحديث الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وتأسيسًا لمستقبل العقل المستنير عند العرب في القرن الواحد والعشرين.

وواجهت مشروعات الجابري الفكرية القبول والرفض، قبول حد التسليم، ورفض حد التسليم ورفض حد الاتهام والتكفير، فضلَا عن مقاربات فكرية علمية مساندة حاولت تتبع خط السير الفكري الذي يحكمه، كمشروعة الطيب تيزني في كتابه " التراث والثورة "، وحسن حنفي في منجزه " من العقيدة إلى الثورة "، ومحمد أركون في مؤلفه " نقد الفكر الإسلامي ".


 ويتصدى الجابري للتراث بوصفه ثابتًا غير متغير بل هو منطلق لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر، فالتراث لا بد له من التجديد ولا بد من غربلته لكي يصفو فكرًا ومنهجًا وممارسة. وهو يعتمد منهجًا معرفيًا خاصًا في قراءته للتراث، ويظهر ذلك جليًا في كتابه " نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي "، فيكتب قائلًا : " إن تجديد العقل العربي يضيء في المنظور الذي نتحدث عنه أحداث قطيعة ابيستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر".

وفي كتابه " تكوين العقل العربي " يجعل الجابري العقل مدخلًا لفهم أسباب عدم نجاح المحاولات المتكررة لمشروعات النهضة العربية. ونجده يثير مسألتين، الأولى : لماذا انتهى العقل البياني العربي إلى هذه الوضعية، مشيرًا إلى أن ذلك يرجع لاحتقار التجربة، إذ أن العقل البياني العربي لم يقبل بالتجربة، واكتفى بالنصوص يستنبط فيها القواعد والأحكام وتوقفت العلوم العربية الإسلامية لان البحث فيها كان بهدف الدين، أما المسألة الثانية التي يثيرها فهي تقنين العقل العربي الذي لم يأتِ نتيجة لتطور نتاجاته أو من خلال العمل الاجتماعي المنتج، لأن الازدهار الحضاري العربي تحقق بفعل الاقتصادي الربعي، أما فيما يتعلق بعلوم البرهان فمرتبطة بالنسق الارسطي.

وقد هوجم الجابري في طروحاته واجتهاداته وأتهم بالتحريف، وهو الذي حاول استقصاء آراء الفقهاء القدامى في قضية جمع القرآن والنظر في التفسيرات القديمة التي اعتبرها غامضة من حيث خلطها بين المكي والمدني، وهذه الآراء فتحت عليه باب الانتقاد من الظلاميين والمؤسسات الفقهية، ورد على ذلك قائلًا : " أنا راضٍ تمامًا عن نفسي وعن نتاجي ونتائجه على الناس، واعرف أن هناك من يختلف معي كما اعلم أني لا أغرد منفردًا وحتى إن فعلت ذلك فأنا أجد دائمًا من يغرد معي ".

غادر محمد عابد الجابري وترك وراءه مشروعات نقدية للعقل العربي والتراث وقضايا فكرية أخرى، وأبقى إرثًا فكريًا كبيرًا يخلد اسمه كأحد أبرز الاعلام الفكرية المضيئة في الساحة الفكرية، المغربية والعربية.