كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة


الأقصى حبل النجاة:



يبحث المواطنون العرب في الداخل الفلسطيني عن سبل الحياة الآمنة الكريمة العزيزة، ويقض مضاجعهم استفحال العنف والجريمة في الفترة الأخيرة حتى بات الحليم حيرانا من شدة البلاء وأخبار القتل والإجرام التي تنتقل من بلد إلى آخر ومن بيت إلى بيت بدون ضوء في نهاية النفق، والكل يبحث ويكتب ويحاول جاهدا ان يصل إلى دواء لهذا الداء العضال.


عند تحليل هذه ظاهرة العنف والإجرام التي يعاني منها المجتمع العربي يمكن الوصول إلى العديد من الآراء حول الأسباب والمقدمات التي أدت إليها، وبالتالي الوصول إلى النتائج وطرق العلاج، ولكن يجب ألا نغفل لحظة أن ننظر في هذه القضية إلى أمرين: الأول: من هو المستفيد ومن الخاسر منها، والثاني: لماذا تأتي هذه الظاهرة في هذه الفترة تحديدا؟.


ونبدأ بالسؤال الثاني: لنرى أن أزمة العنف في المجتمع العربي الفلسطيني هي أزمة مفتعلة برزت بشكل جنوني بعد هبة القدس والأقصى عام 2000 حيث انتفض المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل عندما اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون المسجد الأقصى واقتحامه، وقتل يومها ثلاثة عشر شابا من أبناء المجتمع العربي في البلاد برصاص الشرطة الإسرائيلية، لتفتح بعدها السلطات الإسرائيلية نيران الجحيم على المجتمع العربي يوم أن سمحت بانتشار السلاح، واللامبالاة تجاه تجار السلاح في المجتمع، والاستهتار الحكومي بالقضايا الحارقة للمجتمع العربي وفي مقدمتها قضية الأمن والأمان، أما المستفيد من استفحال هذه الظاهرة فهو طبعا أجهزة الدولة التي وجدت لنفسها مرتعا خصيبا في تفريق وتمزيق المجتمع العربي بايدي أبنائه، هذا المجتمع الذي بات اليوم هو الخاسر الأكبر في هذه الأزمة وهو ينزف دما كل يوم.


إذا يمكن ربط قضية العنف المستفحل بقضية المسجد الأقصى واقتحامه قبل عشرين عاما، فهل يمكن أن يكون المسجد الأقصى حبل نجاة للمجتمع العربي اليوم في ظل هذه الأزمة؟!.


لقد كان المسجد الأقصى حبل نجاة للأمة في كثير من المواقف التاريخية واستطاعت الأمة يوم أن جعلت الأقصى لب وجودها ان تفرض لنفسها واقعا حضاريا رغم أنف المتربصين، ولعل في إسراء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأقصى بعدما تعاظمت حوله الفتن واشتد الحصار، فكان هذا الإسراء بداية انفراج في السيرة النبوية، وكذلك استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يوحد جهود الأمة ويجمع شملها نحو الهدف الأسمى وهو تحرير الأقصى فتم له ما أراد ونصب منبر نور الدين زنكي في الأقصى.


إن قضية المسجد الأقصى هي قضية الأمة، ولعل كل ما يثار من فتن وحروب في العالم العربي والإسلامي عامة وفي المجتمع الفلسطيني خاصة، إنما جاء لإشغال الأمة عن هذه القضية، فكم حرم الناس في بعض القرى من زيارة الأقصى بسبب خلافات ومشاحنات بين أهالي القرية، وكم تعطلت مسيرة شد الرحال في بعض البلاد بسبب النزاعات في المجتمع.


 إن تحديد البوصلة ومعرفة مصدر الألم هو السبيل إلى علاج الجرح النازف، فعندما ندرك مليا ان قضيتنا ليست في مناصب أو زعامات أو جاه أو عرض من الدنيا، لتتجه قلوبنا إلى تعظيم المسجد الأقصى، وعندما يكون محور حديثنا عن الإصلاح والنهوض بالمجتمع عبر تعظيمنا للمسجد الأقصى، وعندما نتصالح فيما بيننا ونترفع عن خلافاتنا لتتجه أفكارنا إلى شد الرحال وعمارة الأقصى، وعندما نتنافس على التواجد في الأقصى والصلاة فيه فإنه حتما لن يبقى لدينا الفراغ لنبحث عن عصبيات قبلية أو أعراض دنيوية.


فإذا كانت قضية الأقصى هي سبب إغراق المجتمع العربي الفلسطيني بأنهار الدماء بأيدي أبنائه، فهل يمكن أن نرفع شعار "الأقصى حبل نجاتنا" في هذه الظروف الحالكة ونوجه أفكارنا وعقولنا وقلوبنا لاستثمار هذه الجوهرة لتكون مصدر عزنا وفخارنا وصمام سعادتنا واستقرارنا.


محمد سواعد- ابن الحميرة
مدير جمعية الأقصى