كنوز نت - بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلاميَّة



" عالَمٌ يقوده التَّنمُّر سيقصمه الجبَّار المتكبِّر "


ظلَّ مصطلح التَّنمُّر قريناً لتصرُّفات الأولاد ، الَّذين يتسلَّط بعضهم على بعضٍ ، بإستعراضات قوَّةٍ وتخويفٍ ، إيذاءٍ وضربٍ . قد يكون الفعل من شخصٍ تجاه شخصٍ ، أو مجموعةٍ تجاه شخصٍ ، وقد تكثر الأعداد أو تقلُّ ، ولكنَّ المشترك دائماً هو قانون الغاب ، حيث لا يحتكم المتقوِّي المعتدي ، لا إلى قانونٍ ولا إلى منطقٍ ولا لشريعةٍ ، بل لإستشعاره أنَّ لديه من القوَّة ما يؤهِّله لفرض إرادته على غيره . فهل بقيت ظاهرة التَّنمُّر في مجتمعات الأولاد والأطفال ، أم تعدَّت ذلك لكلِّ مجتمعات الدُّنيا ؟ .

▪️في السُّجون ، كلُّهم مساجين تحيطهم أسوارٌ وأسلاكٌ شائكةٌ ، إلَّا أنَّ بعضهم يتنمَّر على بعضٍ ، فمن لم يكن ذئباً أكلته ذئاب السِّجن . فيذِلُّ بعضهم بعضاً ، ويقهره ويتِّخذه عبداً مهيناً ، أو يجعله كيساً للَّكمات ، يفرِّغ فيه توحُّشاته وفظاظاته .

▪️في القرى والمدن يتنمَّر بعض الشَّباب على بعضٍ ، يفتعلون أزماتٍ وخلافاتٍ تتطوَّر إلى عراكاتٍ ثمَّ رصدٍ وتربُّصٍ فقتلٍ وجريمةٍ . ثمَّ تطوَّر الحال حتَّى أصبح من بين الشَّباب مجموعاتٌ تنتمي إلى عصاباتٍ إجراميَّةٍ ، من يدخلها لا يستطيع الخروج منها إلَّا قاتلاً أو مقتولاً ، والعياذ بالله تعالى .

▪️الشُّرطة في إسرائيل تتنمَّر على المواطنين العرب ، وفي أمريكا تتنمَّر على المواطنين السُّود ، و " حرس الحدود " يحاول فعل الأمر ذاته في الضِّفَّة والقدس : إستعراضات قوَّة ، إفتعال أزمات ، بثَّ أجواء إرهابٍ وتخويفٍ وقمعٍ ، واستخداماً فعليّاً للعنف مع الإيذاء وأحياناً القتل .

▪️أمَّا الدُّول برؤسائها وحُكَّامها وأنظمتها ، فالدَّولة تتنمَّر على رعاياها ، ودول الإستكبار تتنمَّر على الدول الأصغر ، تبتزُّها ، تسلب إرادتها ، تحاصرها ، تصادر مواردها ، وتشنُّ عليها حروباً من شتَّى الأصناف حتَّى تخضعها لنظامها وهيمنتها .

▪️ أمريكا المثال الأبرز للدَّولة المتنمِّرة ، أمَّا دوَلنا العربية فتتنمَّر على بعضها تنمُّر المساجين في نفس القفص . فبدل أن يجتهدوا للتَّحرُّر من أغلال سجَّانهم يفرغون طاقاتهم في حروبهم الدَّاخليَّة والبينيَّة ، فبئس المتنمِّرون .

وفوق التَّنمُّر خبثٌ ودهاءٌ

▪️بالدَّهاء والخبث ، بالحيلة والحنكة ، تتحكَّم أيادٍ خفيَّةٌ ، بمصائر دولٍ وشعوبٍ . فاللُّوبي اليهوديُّ في أمريكا يتحكَّم بإنتخابات الرِّئاسة الأمريكيَّة ، يدعم كلا المرشَّحَين للرِّئاسة ، ومن يفز منهما فهو لهم عبدٌ مطيعٌ . ثمَّ إنَّهم يموِّلون إنتخابات الكونجرس ويتحكَّمون في التَّوظيفات والتَّشريعات ، حتَّى أصبحت معظم الولايات في أمريكا تسنُّ قوانين تجرِّم كلَّ من ينتقد إسرائيل ، وليست لديهم قوانين تجرِّم إنتقاد أمريكا ورئيسها .

▪️في العالم كلِّه هنالك غمامةٌ سوداء تهدِّد كلَّ من يسيء إلى اليهود ، تحت إسم اللَّا ساميَّة . حتَّى أصبحت تهمةً جاهزةً تكمَّم بها أفواه البشر حكَّاماً ومحكومين ، وهو التَّنمُّر المجبول بالدَّهاء والحنكة ، ولا يقدر عليه إلَّا الله .

▪️وللتَّأكيد ....... فإنَّ السُّنن الإلهية تقتضي أنَّ دوام الحال من المحال ، فالقويُّ لا يبقى قويَّاً أبد الدَّهر ، بل قد تقوده قوَّته إلى تهوُّرٍ يكون فيه حتفه وهلاكه . فإذا رأيت المتنمِّر المتكبِّر يصول ويجول ولا يجد من يردعه ، فاعلم أنَّ الله يستدرجه لمصيرٍ أسودٍ ، ليجعله عبرةً للعالمين . وكلَّما جمع المتقوِّي المتنمِّر بين إستعراض القوَّة مع الدَّهاء والخُبث ، كلَّما كان أقرب إلى ضربةٍ قاصمةٍ من الرَّبِّ الجبَّار المتكبِّر جلَّ جلاله .

▪️وأدعوك للتَّفكُّر مليَّاً في هذه الآيات من سورة إبراهيم :

" وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم ، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ؛؛ فلا تحسبنَّ الله مخلف وعده رسله ، إنَّ الله عزيزٌ ذو انتقام " .

▪️ لو توقَّف النَّصُّ عند وصف المكر الدي تكاد تزول منه الجبال ، لأصابنا اليأس والإحباط من قوة كيدهم وجبروتهم وتمكُّنهم ، وإذ بالتَّأكيد الإلهيِّ بقرب إنفاذ الله وعده للمؤمنين بالفرج والتَّمكين ، من العزيز المنتقم عزَّ وجلَّ .

▪️فيا أيُّها المتنمِّرون أشخاصاً كنتم أم عصاباتٍ ، شرطةً أو حكومات ، جيوشاً أم إمبراطوريَّات ، والله إنَّ كيدكم لفي ضلال ، وإنَّ مكركم لإلى زوال ، وإنَّ العاقبة للمتَّقين الصَّابرين المحتسبين ..... ولو كرهتم ، أو سخرتم أو استبعدتم . ليس تهديداً لأحدٍ ، ولكنَّه يقينٌ بأنَّ الأمر كلَّه بيد الله الَّذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء .

" وسيعلم الَّذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون " .
" إنَّ موعدهم الصُّبح ، أليس الصُّبح بقريبٍ "