كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



أوراق قديمة : ألمرأة والمساواة! 


لا شكّ في أنّ المرأة قد بلغت حدّاً كبيراً من المساواة مع الرجل، وهذه حقيقة لا تحتاج لأدلّة وبراهين، فالمرأة اخترقت "الحظر- المنع – الحصار" الذي كان يحول دون ولوجها ميادين معينة، وتجاوزت هذا الحظر وحطمته بإصرارها وعزيمتها، وأصبحت حقوقها في بعض الميادين تفوق حقوق الرجل بكثير، ومن ذلك "علاوة الأمومة" التي تحصل عليها أمهات الأطفال حتى سنّ معينة، في بعض الدول المتقدمة، واللواتي يعملن في بعض المؤسسات الرسمية، والتي لا يحصل الرجل على مثلها. 

وحقيقة أن المرأة قد نبهت وتفوقت في وظائف ومناصب عالية ورفيعة في دول عديدة، وتبوّأت مناصب يشار إليها بالبنان، لا تحتاج إلى نقاش ولا براهين!
والمرأة لم تكن يوماً محرومة من جميع الحقوق وعلى جميع المستويات، وإن وجد تمييز ضدّها فإنه لم يطل جميع النساء، لأن نساء كثيرات قد برزن وتفوقن خلال العصور، وخلّدهن التاريخ.

وقد حفظ لنا التاريخ أسماء نساء خالدات، منهن على سبيل المثال لا الحصر "حثشبسوت" الفرعونية التي عاشت في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، ونفرتيتي، وكليوباترا.

ويقولون عن ملحمة "الأوذيسة" الإغريقية مثلاً "إنها كتبت لتمجيد المرأة حيث تضرب "بينلوبي" المثل الأعلى في الوفاء بانتظار زوجها "أوديسيوس" عشرين عاماً ورفضها كلّ عروض الزواج أثناء غيابه الطويل".

ومن النساء العربيات الخالدات نذكر بلقيس (الأولى) ملكة سبأ، وبلقيس (الثانية) التي حكمت سبأ وريدان وحضرموت، وبلقيس الثالثة.
كما لا بدّ من ذكر زنوبيا ملكة تدمر في القرن الثالث للميلاد، والتي ازدهرت – واشتهرت - تدمر أيام حكمها، وحاربت روما وأذلّتها، إلى أن كانت نهايتها...
وملكت نساء في اليمن وكندة وبلاد الأنباط، ففي ملوك الأنباط خمس ملكات... وفي كندة خمس ملكات، وماوية الغسانية حكمت سوريا وفلسطين ولبنان والأردن.

وتساوت المرأة مع الرجل فأجارت، وقُبِل جِوارها، وحمت وصِين حِماها في الجاهلية، وكان الجوار نوعاً من الحلف أو الحماية، ودلالة على قوة المجير ومهابته في قومه.

واشتركت النساء العربيات في عقد أهم ثلاثة أحلاف:


• حلف الأحابيش وشاركت فيه عاتكة بنت مرّة بن هلال زوجة عبد مناف.
• وحلف المطيّبين شاركت فيه أم حكيم البيضاء أو أختها عاتكة بنت عبد المطلب، إذ أخرجت طيباً في جفنة، فتطيّب به المتحالفون.
• وشاركت إحدى هاتين السيدتين في حلف الفضول.

وإهانة المرأة كانت تُشعِل حرباً، ونشبت حرب يوم الفجار الأول بسبب إهانة إحدى نساء بني عامر، وقامت الحرب بين اليمانين وبين ربيعة ومضر، لأن لبيد بن عنبسة لطم زوجته التغلبية، وحقّر من شأن قومها.


واشتهرت في صدر الإسلام نساء كثيرات منهنّ: السيدة عائشة، والسيدة خديجة، وحفصة بنت عمر الفاروق، وزينب بنت خزيمة، وأسماء بنت أبي بكر، وليلى الأخيلية، والخنساء.

ومن مشاهير النساء في العصر الأموي: عقيلتا قريش: سكينة بنت الحسين حفيدة النبي (ص)، وعائشة بنت طلحة، وكلتاهما كانت على جمال رائع وأدب غزير، ورواية الشعر، ويجالسن في داريهما الأجلّة من قريش والمبرّزين من الشعراء، وأم البنين زوجة عبد الملك بن مروان، وأم الخير رابعة، وعزة وبثينة وليلى وغيرهنّ...

ومن شهيرات النساء في العصر العباسي: ألخيزران زوج المهدي، وزبيدة زوج الرشيد، التي كانت تبتكر مع عليّة بنت المهدي الأزياء، وبوران زوجة المأمون، والسيدة شغب زوجة المقتدر، وقطر الندى بنت خمارويه، وشهدة الكاتبة، وأم المؤيد زينب، وتقية بنت أبي الفرج.
وفي سوق عكاظ فضّلوا شعر الخنساء على شعر حسان بن ثابت، وميسون الكلبية رفضت قصور بني أمية ومجدهم وفضّلت الخيام عليها، وغيرهن الكثيرات.

وعندما يقرأ المرء أسماء هؤلاء النساء اللامعات اللواتي خلّدهن التاريخ يميل إلى القول إن النساء لم يكنّ يوماً جميعهنّ حبيسات القصور أو البيوت أو الخيام!

لكن أيّ عاقل لا يغامر بالقول إن جميع النساء حظين بما حظيت به هؤلاء النساء اللواتي ذكرت أسماؤهن، فالنابهات كنّ قليلات نسبياً في كل عصر وعصر، وليس جميع النساء مثل حثشبسوت ولا كليوباترا ولا زنوبيا ولا بلقيس ولا غيرهنّ من الخالدات!

وصحيح أن المرأة قد نالت في عصرنا حقوقاً كثيرة نسبياً، ففي أكثر الدول منحت - أو حصلت على - حقّ المشاركة في الحياة السياسية وفي جميع مؤسسات المجتمع المدني، وأصبحت تملك مثل حقّ الانتخاب وحقّ ترشيح نفسها لمؤسسات الدولة المختلفة، كما أن جميع المهن وميادين العمل تقريباً قد انفتحت أمامها على مصاريعها.

لكن الواقع لا يبدو وردياً كما قد يحسب المرء، والمساواة ما زالت حلماً بعيد المنال، فعدد النساء في العالم يبلغ حوالي ثلاثة مليارات ونصف المليار – إذا اعتبرنا أن عدد النساء يبلغ تقريباً نصف عدد السكان في العالم – ولا ندري أي نسبة منهن تتمتع بالمساواة الكاملة!

وصحيح أن ليس لدينا إحصائيات دقيقة عن أوضاع المرأة في عشرات من دول العالم الثالث وحتى في البلدان المتطورة، ويمكن الافتراض أن المساواة في بعض الدول ليست أهمّ ما يعني المرأة ويشغل بالها...

وستظلّ المساواة الكاملة حلماً بعيد المنال طالما ظلّت المرأة تأكل وتلبس وتعمل وفق ما يرسم ويخطط لها الرجل، فحتى في "أرقى" الدول ما زالت تجارة الرقيق الأبيض مزدهرة!