كنوز نت - بقلم المهندس باسل قس نصر الله مستشار مفتي سورية



"اعطوا ما لِقيصر لِقيصر، وما لِترامب لِترامب" 



     
أخذَ السيّد المسيح ديناراً وسأل تلاميذه (الحواريون حسب التعاليم الإسلامية)، "لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟ قالُوا لَهُ: لِقَيْصَرَ فأجابهم "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِلله".
     

عزيزي السيد الرئيس ترامب ...

     
إنك من الرؤساء الأميركيين القلائل الذين أوضحوا للعالم - بصريح الفعل قبل القول - أن أميركا هي "ربّكم الأعلى" وأنا كمؤمن، أستغفر الله على ذلك.
     
كانت أميركا مثالاً من الورعِ والأيمانِ والتقوى، واعتَبرَ رؤساؤها أن لديهم تفويضاً إلهياً، حتى أن الفرنسيين اشتكوا من أسلوب رئيس أميركا وودرو ويلسون "1913 – 1921" في التفاوض في قصر فرساي 1917، ونشرت جريدة فرنسية بأن "ويلسون يتفاوض وكأنه عيسى المسيح".
     
شعرت فرنسا وبريطانيا في مؤتمر فرساي، أنهم ليسوا في حاجة الى هذا الوليد السياسي الجديد (أميركا) وهاجموا في مؤتمرهم الرئيس ويلسون، وكان وزير خارجية فرنسا جورج كليمنصو، قد علَّق بشكلٍ لاذع على النقاط الاربع عشرة التي طرحها ويلسون، في دمدمةٍ ساخرةٍ: "إن مستر ويلسون يثير في نفسي الضجر بنقاطه الأربع عشرة، فلمذا إذن جاء الرب سبحانه وتعالى بعشر فقط" وهو يشير الى الوصايا العشرة.
     
وبما أنهم يعتقدون أن لديهم تفويضاً إلهياً لإدارة العالم، فلقد كانت أولى مغامرات الرئيس الأميركي ويلسون الخارجية، هي إقالة فيكتوريانو هويرتا، رئيس المكسيك، بإسم نشر الديمقراطية وضرورة "تعليم جمهوريات أميركا الجنوبية كيف تنتخب "أشخاصاً جيدين". ولقد تصرّف ويلسون يومها دون أسباب مُقنعة، رغم أن سَلَف "هويرتا" وخَلَفَه كانا ديكتاتورين أيضاً.
     
إنتقل ويلسون بِمحبتهِ وتفويضه الإلهي لإدارة العالم بأن طلب في نيسان 1917، من الكونجرس الامريكي، موافقته على إعلان الحرب، فيقول: "إن الحق يعلو على السلام، وسنحاربُ اعتزازاً منّا بالقيم التي ندين بها، سنحارب حفاظاً على الديمقراطية". وهكذا رسم الرئيس ويلسون معالم إدارة أميركا للعالم.
    
 وفي 16 نيسان 1939، وجّه الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت "1933 – 1945" رسالة شخصية للمستشار الألماني أدولف هتلر والإيطالي بينيتو موسوليني "1922 – 1943" طلب منهما فيها الإعلان بأنهما لن يرتكبا، خلال العشر سنوات المقبلة، عدواناً ضد 29 أمة يُعددها في لائحة. وفي حالة جواب مشجّع، فإنه سيطلب (لم يقل سيأمر) من كل هذه الدول توقيع تصريحات مماثلة، وكأنه معلم مدرسة بين تلاميذ مشاغبين.
    
 وبدأ الدخول الأميركي الى السياسة العالمية يتبلْور. وهو (روزفلت) استبدل بريطانيا بأميركا من خلال هذه الحادثة: في الرابع عشر من شباط العام 1945، وإثر خروجه من مؤتمر يالطا، حيث كان يُجري محادثات مع رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل و زعيم الإتحاد السوفييتي جوزيف ستالين، توجّه إلى قناة السويس، حيث التقى بملك المملكة العربية السعودية في حينه عبد العزيز بن سعود، والملك المصري فاروق الأول، وإمبراطور الحبشة هيلا سيلاسي، على متن طراد البحرية الاميركية "كوينسي"، بينما الغت الحكومة الأمريكية إجتماعاً كان مقرراً بين الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي وروزفلت في عام 1945، وباعتقادي أن الإلغاء تم لأن الأميركيين عرفوا بأن السوريين لا يقبلون الإملاءات عليهم.
     
بعد ذلك عاد "هيلاسيلاسي" مشحوناً من قِبل أميركا، إلى بلاده واستدعى قائد القوة البريطانية المُسيطرة على الحبشة، واستدعى أيضاً حَرسه الإمبراطوري، حيث كبّلوا الضابط البريطاني و"أنزل بنطاله وجَلَده" بكل ما في الكلمة من معنى، وهنا أعتبر أن هذه الحادثة هي بداية طرد بريطانيا من إفريقيا.
    
 أما مع الملك عبد العزيز بن سعود، فقد كان مضمون اللقاء اتفاقاً بين الطرفين يتم بموجبهِ تزويد إتحاد الشركات الأميركية "آرامكو" بالنفط السعودي، مقابل التزام الولايات المتحدة الأميركية حماية المملكة على الدوام، وكان هذا الإتفاق لمدة 60 عاماً، قام الرئيس جورج بوش الإبن بتجديده عام 2005. وهنا أيضاً سيطر الأميركان على الخليجِ بكامله، حيث نشأت ثروات هائلة من التفاعل بين العالم الأميركي للأعمال والعائلة السعودية، التي يتم تحديدها باعتبارها مجموع الأمراء الذين يَفيدون مِن حصّة مباشرة من عائدات النفط.
     
كان روزفلت يستعين بصهاينة من أجل مساعدته في طروحاته ومناقشاته السياسية، فلقد قام باستدعاء رئيس الوكالة اليهودية ناحوم غولدمن مع ستيفن وايز وسامويل روزنمن لمساعدته في صياغة بيانٍ عن موضوعٍ محدد. وعلى نحو مفاجىء علّق روزفلت قائلاً: "تصوروا كم من المال سيدفع غوبلز (وزير دعاية المانيا النازية من 1933 – 1945) مقابل صورة ضوئية لمثل هذا المشهد! صورة رئيس جمهورية الولايات المتحدة وهو يتلقّى تعليماته من حكماء صهيون الثلاثة؟"

     

سيدي الرئيس 

     
من حقّ – بلْ من واجب - كل رئيس بلد أن يُبرز ويرفع من شأن بلاده في العالم، لذلك بدأ الرؤساء بإظهار القوة الأميركية، من غزو الفضاء الى الشؤون العلمية والثقافية والخدماتية الأخرى، حتى دخولهم في محاولات رعاية الكون من خلال إحلال السلام بين الدول المتصارعة. 
     
بعد إخراج بريطانيا وفرنسا من كونهم منافسين لأميركا، ظهرت قوى جديدة وهي الإتحاد السوفييتي (حالياً روسيا) والصين وبشكل أقل الهند والرازيل وغيرها.
     
هناك معادلتين مهمتين عن سورية الاولى "السوريون لا يقبلون الإملاءات" وقد فهمها روزفلت، والثانية، أن كلينتون فهم أنه لن يكون هناك أمن واستقرار في المنطقة ما لم تتصالح سوريا وإسرائيل، كما أن ثمة عبارة أطلقها خبير في شؤون الشرق الأوسط كانت ماثلة في ذهن كلينتون: "لا حرب في هذه المنطقة من دون مصر، ولا سلام دائم من دون سورية".
    
 لكن الحل كان يختلف بين سياسة الترغيب والترهيب حتى أصبح الترهيب أكثر رجحاناً، بعد سنوات من دبلوماسية أميركية، منها الجولات المكوكية بين سورية واسرائيل للمنسق الأميركي دنيس روس، في 8 تموز 1993، و"قناة السفراء" في 29 تموز 1994، حيث التقى السفير السوري في واشنطن آنذاك "وليد المعلم"، في 25 آب 1994، بالسفير الإسرائيلي "ايتامار رابينوفيتش" في منزل المنسق الأميركي "دنيس روس".
     
ثم بدأت الضغوط على سورية للقبول بالحل الأميركي (الإسرائيلي ضمناً) من قانون الإضطهاد الديني عام 1998 الذي انطلقت فكرته للقيام بتحرك أميركي رسمي للإهتمام بالحرية الدينية في العالم بحملة - من اجل ما سُمي - إنقاذ مسيحيي العالم من الإضطهاد، أطلقها المحامي الأميركي الجنسية اليهودي الديانة مايكل هوروفيتز خلال مقال نشره في جريدة وول ستريت بتاريخ 5 تموز 1995، لكن ذلك لم يفلح، نتيجة الحرية الدينية التي تمتاز بها سورية عن غيرها من بلدان العالم.
    
 وكلنا يعرف كلام السفير الاميركي في لبنان جون غونتر دين إلى بشير الجميّل في 24 نيسان 1981 حيث قال "منذ الآن، يشكل مسيحيّو لبنان جزءاً من الإسترتيجية الأميركية في المنطقة ... يجب أن تبقوا في العالم العربي. سوف نحميكم وأنتم ستدافعون عن الثقافة ونمط الحياة والقيم التي تؤمنون بها ... يرى الرأي العام الأميركي أن المسيحي طيّب وأن السوري سيء، وأن الإسرائيلي طيب والفلسطيني سيء".
    
 ثم جاء قانون محاسبة سورية الذي كان مجلس النواب الاميركي قد وافق عليه في 15/10/2003 وصادق عليه الرئيس بوش الابن في 12/12/2003.
وكان كل ذلك يندرج للضغط على سورية، حتى جاء في العشاء الذي جمع بين الرئيس الأميركي جورج بوش الابن و الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حزيران 2004 في قصر الإليزيه، بمناسبة مشاركتهما في إحياء الذكرى الستين للإنزال الأميركي في النورماندي في الحرب العالمية الثانية، قال شيراك لبوش، بلهجة الخبير في خفايا الشرق الاوسط: "إذا قطعنا العلاقة بين سوريا ولبنان، يسقط النظام العلوي في دمشق". فأجابه بوش: "أنت أدرى بهذا الملف، إبدأ به ونحن وراءَك".
    
ثم جاء اغتيال رفيق الحريري عام 2005، و تصريح السفير الأميركي في الأمم المتحدة جون بولتون في جلسة مجلس الامن في 14 تموز 2006، "نزع سلاح حزب الله ومحاسبته لن يكون كافياً من دون محاسبة سورية وايران"
     
وكرّت السُبحة من المحكمة الدولية حتى الحرب الخارجية – الداخلية، وكل ذلك هو لرحيل الرئيس السوري بشار الأسد، لأنهم يريدون حلاً يرونه هم وليس سورية، علماً بأن الرئيس السوري بشار الاسد أعلن في مقابلة صحفية له مع "نيويورك تايمز" الأميركية، في مطلع كانون الاول 2003، أنه مستعد للتفاوض مع إسرائيل حول توقيع معاهدة سلام بكل مقتضياتها. لكن الإدارة الاميركية واسرائيل شككوا بذلك، لأنهم يعرفون بأن الرئيس الاسد كان جاداً بتوقيع معاهدة سلام بشروطه وليس بشروط إسرائيل، وهم يريدون العكس.
    

 والآن حضر قانون قيصر ...

سيدي الرئيس ... تقول السيدة اليانور روزفلت "لا أحد يستطيع جعلك تشعر بالدونية من غير إذنك"
ويقول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد للرئيس كلينتون "إن حدود الأوطان لا تخضع لمصالح المسؤولين"
مرّت قوانين كثيرة ولا أعتقد قيصر آخرها، ولا تقل لي – سيدي الرئيس الأميركي – أن الوثائق والصور كثيرة، فالعالم يعرف صوركم ووثائقكم من العراق الى صربيا الى .... 

اللهم اشهد اني بلغت