كنوز نت - د. منعم حدّاد



أرض السمن والعسل أم أرض الـ...؟




يروي لنا الكتاب المقدس أن الله سبحانه تعالى عندما ظهر لموسى كليمه في العليقة الملتهبة والتي لم تحترق على جبل سيناء وأرسله إلى فرعون ليخرج بني إسرائيل من بيت العبودية في مصر، وعده أن يصعدهم "مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا"، لكنها لا تفيض لا عجائب ولا غرائب، باستثناء ما قام به جل جلاله أيام ذاك من تمكينهم من عبور البحر الأحمر إلى غرق فرعون وفرسانه، إلى المن والسلوى، إلى سقوط أسوار أريحا...

وتمضي السنون وتكرّ القرون ويكون ما كان... فإذا نحن بعد ذلك الزمان بأزمان تبلغ آلاف السنين، وإذا بالأرض الموعودة تفيض "لبناً وعسلاً"، مما أنعم به الله على الكون بأكمله، وهي لا تمتاز عن سواها ولا تفيض لبناً وعسلاً، أكثر من غيرها من البلدان، وشأنها شأن بقية دول كثيرة من دول العالم المتحضر، في القرن الحادي والعشرين للميلاد.

لكن الإنسان لم يكتف كما يبدو بالعجائب والمعجزات التي حققها الله لموسى وشعبه أثناء – وبعد – خروجهم من مصر واستقرارهم هنا، في هذه البلاد، فإذا ببعضهم يجترح من العجائب والغرائب ما لم يخطر على بال!

فهذا هو قانون "التسوية، تسوية المستوطنات" غير الشرعية חוק ההסדרה على سبيل المثال لا الحصر، والذي يحاول بعض الليكوديين واليمينيين المتطرفين وغلاة المستوطنين تطبيقه لو لم تمنع المحكمة العليا القيام ذلك، هذا القانون الذي يهدف إلى قوننة الاستيلاء على أرض فلسطينية خصوصية مملوكة لأصحابها الشرعيين بعد أن أقاموا عليها البؤر الاستيطانية عنوة وبلطجة!

وليتصور المرء في أي بلد في العالم أن تقوم فئة بالبناء على أرض فئة أخرى، فماذا كان سيتخذ العالم المتحضّر وفي أوله حكومتنا الرشيدة من خطوات؟
وأين أنت يا إيليا النبي من كل هذا؟

أنت الذي عندما اعتدى آخاب الملك وزوجته إيزابيل على أرض نافوت جارهما الفقير خاطبته موبّخاً مؤنّباً: "هل قتلت وورثت أيضاً؟"
والمستوطنون اعتدوا على الأرض فقط ولم يقتلوا أصحابها لحسن الحظّ، ولم يغرموهم بعد بغرامات باهظة على اعتراضهم على سلب أراضيهم...

وليدم عزّ المحكمة العليا ومجدها!
ومن الأرض إلى القتل، قتل الأبرياء والمرضى والمساكين...


فالشرطة في كل دول العالم من مهامها الرئيسية المحافظة على النظام والامن والاستقرار والهدوء والطمأنينة، وهي تفعل ذلك هنا في بلادنا أيضاً، ولها وزير مختص يرعى شؤونها ويرعى مصالحها.

لكن وللأسف الشديد لا نسمع إلا عن قتيل يسقط صريعاً هنا أو هناك برصاص الشرطة، بحجة أنه شكّل خطراً على أفرادها... فكل حركة في نظر بعض الشرطيين تشكل خطراً على حياتهم ومن واجبهم الأول الدفاع عن أنفسهم وإطلاق الرصاص عليه، وليس لتحذيره، وإنما بهدف "تحييده"(!!!).
أما الجريمة التي تكتسح الوسط العربي بشتى أشكالها فلربما لا تعني الشرطة بما فيه الكفاية، إذ قلما أفلحت الشرطة في حل رموز أكثر من جريمة قتل أو حرق أو سواها، وسجلتها في ملفاتها ضدّ مجهول...

أما عندما تلمح الشرطة – أو حتى "حراس الأمن" – أحدهم، وهو في الغالب مريض قسا عليه الدهر، فكل حركة تصدر عنه هي في نظر الشرطة في منتهى الخطورة، وتشكل تهديداً صريحاً وواضحاً ضدهم وخطراً داهماً عليهم ومن أول واجباتهم إطلاق النار على المشتبه به وقتله "دفاعاً عن النفس" واستبعاداً لخطره الداهم...

وماذا يحدث عندما يتبين هول الفاجعة؟
يحققون مع هذا الشرطي ومع ذاك، ويدعمه محام هنا ومحام هناك، وقد تدفن هذه الجريمة البشعة النكراء في الملفات، لـ"عدم توفر الأدلة الكافية" وما شابه من تبريرات لا يقبل بها عقل ولا منطق، وإن حكم على الشرطي فقد يحكم عليه حكماً رمزياً، أو ينال عفواً فورياً...!

وتنقلنا هذه العجائب والغرائب إلى أمريكا، حيث قامت الشرطة حامية حمى الأمن بقتل جورج فلويد بالضغط على رقبته حتى قطعت أنفاسه وقضى حتفه!
وجورج فلويد طبعاً شكل خطراً على رجال الشرطة في نظرهم، ولم يكن بدّ من قتله رغم استغاثته وتوسّله لأنه غير قادر على التنفّس...

وبماذا يحاكمون قتلته؟
أم سيبرّئونهم؟

والغريب أن بعض الأنباء هنا أشارت إلى نفي محلي من أن يكون رجال الشرطة أولئك قد تدرّبوا في إسرائيل على "حفظ النظام"...
فيا سلام على عجائب هذا الزمان وغرائبه!...