كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


وقفة مع رواية " المفاتيح تدور في الأقفال " للراحل علي الخليلي



الراحل علي الخليلي أديب ومثقف نقدي فلسطيني متعدد الاهتمامات، له مساحة أثيرية وقيمة في رفوف المكتبة العربية الفلسطينية، تشغلها مساهماته الرائدة في مختلف فنون الكتابة. فهو صحافي وكاتب سياسي وقاص وروائي وكاتب للأطفال وباحث في التراث الفلسطيني. وقد احتل مركز الصدارة في المشهد الثقافي الفلسطيني تحت الاحتلال، وترك أثره المميز في حصيلة الشعر العربي الفلسطيني الغزير، وله فضل كبير على الكثير من المبدعين والموهوبين الذين رعاهم واحتضنهم ودعمهم بنشر نتاجاتهم الأدبية حين كان يرأس تحرير مجلة " الفجر الأدبي "، التي شكلت وعاءً وحاضنة لكل شعراء وكتاب وأدباء الوطن الفلسطيني المحتل.

وكان قد صدر لعلي الخليلي عن منشورات صلاح الدين في القدس عام 1980 روايته الأولى " المفاتيح تدور في الاقفال "، ويرمز عنوانها إلى التجربة اليومية التي يمر بها المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون والزنازين الاحتلالية، أو كما يسميها الخليلي " تراكمات الاسمنت والحجارة والفولاذ "، متضمنة كل أصناف وألوان التعذيب الجسدي والنفسي والتحقيق والنفي من هذا السجن على ذاك.

وهذه الرواية كتبها المرحوم علي الخليلي إبان المد القومي واليساري العربي، وتخاذل التيار الديني أمام العديد من القضايا والمسائل القومية والوطنية، وكان رجال الدين والتيارات الدينية السياسية تلعب دورًا قذرًا لصالح النظام السياسي العربي.

وعلي الخليلي هو من اوائل الشعراء الفلسطينيين الذين اتجهوا لكتابة الرواية، وسبق ابراهيم نصر الله والمتوكل طه ومريد البرغوثي ومؤيد العتيلي وأسعد الأسعد وسواهم، لكن للأسف لم يتم لفت الأنظار إلى تجربته الروائية وعدم الاهتمام بروايته " المفاتيح تدور في الأقفال " التي نحن بصدد الحديث عنها، من قبل الباحثين والدارسين والمهتمين والنقاد، سوى ما كتبه الناقد الفلسطيني د. نبيه القاسم والاستاذ أسامة محاميد في مجلة " الجديد " في الثمانينيات بعيد صدور الرواية.

وهذه الرواية تشمل عدة شخصيات يجمعها وحدة المكان الا وهو المخيم والأزمة في حارة الياسمينة بنابلس، وتوحدهما مرارة الواقع القهري المعاش في ظل الاحتلال على الصعيدين الاجتماعي – الطبقي، والسياسي – القومي.


وابرز شخصيات الرواية هو محمد حمدان بعجر عبد الفتاح بائع الكبسة في سوق البصل بنابلس، وابوه كان يعمل فرانًا أجيرًا وقبل ذلك راعيًا محتقرًا، وعبر تصوير دقيق نتعرف على الطفولة المعذبة في ظل الفقر والشقاء التي يعانيها في بيت مشقق السقف، محفور الأرض، تختلط فيه الروائح والحشرات.

ومن خلال شخصية محمد حمدان نتعرف إلى نموذجين متناقضين أفرزهما الواقع المعاش تحت وطأة الاحتلال. الأول النموذج الثوري المناضل بكل وسائل الكفاح والمقاومة الممكنة التي أدت به إلى المعتقل وذو الوعي الوطني والطبقي الاجتماعي المتكامل في رؤياه تجاه القضية الوطنية اولًا وقضيتي المرأة والدين ثانيًا. وتمثل هذا الاتجاه النقدي بالإضافة إلى شخصيات من مروان العكاوي العتال، واسامة الأخرس ابن الدهان، وضرار كامل بائع المكانس، وسمية ناصر الطالبة ابنة الكندرجي، كل هذه الشخصيات ذات قاعدة اجتماعية واحدة هي طبقة الفقراء والمسحوقين والكادحين، أبناء الحارة الواحدة، والمخيم الواحد، والتقوا جميعًا كل بموقفه وبطريقته في مقاومة المحتل وبالتالي في الموقع النضالي النهائي وهو السجن، الذي يشكل ليس مدرسة فحسب وإنما قاعدة من قواعد الثورة في الأرض المحتلة.

وإذا كان السجن كما يصفه ويصوره كتاب الوطن المحتل المكان المكروه الذي يمارس فيه السجان تعذيبه للمناضلين والمقاومين للاحتلال، وأمل السجناء الخروج منه ومعانقة الحرية، فسجن علي الخليلي الذي يصوره في روايته مختلف عن الآخرين فهو صورة وقطعة مصغرة من الوطن يرفض مغادرته السجين الفلسطيني وتركه عندما تغريه سلطات الاحتلال بالخروج وترك الوطن والرحيل عنه، فهو الانطلاق لحياة حرة جديدة.

وبالنسبة للغة الرواية فهي على العموم لغة شاعرية رقيقة سلسة مطواعة مشحونة بالمعاني والدلالات الكثيرة، لغة مكثفة قصيرة في جملها وتراكيبها، وتخلو من اللهجة العامية إلا في ما تقتضي الضرورة ذلك. ويعتمد الخليلي أسلوب السرد التقريري المباشر، وتوظيف التراث الشعبي والأمثال الشعبية واستفادته من أداء وظيفتها الايحائية والجمالية، ومن مساهمتها الفعالة المؤثرة في عملية التوصيل لدى القارئ والمتلقي.

ويبقى القول أن رواية علي الخليلي " المفاتيح تدور في الأقفال " تروي قصة صمود شعبنا الفلسطيني وأبنائه الابطال في مقاومة ومواجهة المحتل في كل موقع ومكان في الوطن، وتنتمي للأدب الملتزم بالقضايا الوطنية والطبقية المنحاز والمنتصر لجموع الفقراء والمنسحقين والمعذبين في الأرض.