كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


                

عن الثقافة والاحتلال



في البدء كانت القصيدة، فالخاطرة والقصة القصيرة، ثم جاءت الرواية والمسرحية. واول قصيدة بعد عدوان حزيران واحتلال الضفة والقطاع، كانت لأيقونة فلسطين وابنة جبل النار فدوى طوقان، ليس في المناطق المحتلة، وغنما في عروس الكرمل حيفا، على صفحات سنديانة شعبنا، صحيفة " الاتحاد " العريقة، في عددها الصادر يوم 22 أيلول العام 1967، عن مدينتها الحزينة المحاصرة التي التقطت أنفاسها بعد ان أغلقت أبواب السماء.

ففدوى طوقان لم تنطوِ على ذاتها ولم تهجع في بيتها الرحب في نابلس، بل سارعت إلى اجتياز بوابة مندلبوم في القدس نحو يافا وحيفا والجليل لتلتقي شعراء وأدباء الداخل الفلسطيني محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وسالم جبران وإميل حبيبي، وفاضت روحها بقصيدتها الشهيرة " لن أبكي على بوابات يافا "، التي تقول فيها :

يا أحبائي
حصان الشعب جاوز كبوة الأمس
وهبَّ منتفضًا وراء النهرِ
ها وإن حصان الشعب يصهلُ واثق التهمة
ويفلت من حصار النحس والعتمة
وكانت هذه القصيدة اهتزازات لدى مبدعي ومثقفي شعبنا في الداخل، وانعكس ذلك في قصيدة محمود درويش :
لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمامْ

ولم يتفتت حبنا بين السلاسل
نحن يا أختاه من عشرين عامْ
لا نكتب أشعارًا ولكنا نقاتلْ

وباستثناء فدوى طوقان لم ينشر الشعراء تحت حراب الاحتلال قصائدهم، فذيول الهزيمة وآثار النكسة والقمع الاحتلالي أحبطا البدايات إلى ان هز أيلول الأسود كل الضمائر وكل الملكات الشعرية والأدبية، وبدأت تغزو الساحة الأدبية والمشهد الثقافي الكتابات الشعرية والنثرية والتجارب الإبداعية المختلفة لجيل فلسطيني جديد يتمتع بالموهبة ويمتلك الأدوات الكتابية، وعرفنا الكثير من الأسماء الشعرية والأدبية كعبد اللطيف عقل وعلي الخليلي وأسعد الأسعد وخليل توما وسميرة الخطيب وللي كرنيك وسحر خليفة وجمال بنورة وأكرم هنية وعادل الأسطة ومحمد كمال جبر وجميل السلحوت وعلي عثمان وابراهيم جوهر وغريب عسقلاني وزكي العيلة وعبد اللـه تايه وأحمد رفيق عوض وعبد الناصر صالح ومحمد الريشة وأحمد عبد أحمد صاحب ديوان " على جدران الهزيمة " الصادر في العام 1973، الذي يقول على الغلاف الأخير :

لأنني لست من المكسيك ..
يا بلادي الحبيبة
وظيفتي كشاعرٍ
أن أنشر الغسيلَ
فوق أسطُحِ العروبة

وفي العام 1976 أصدرت سحر خليفة روايتها " الصبار "، ثم نشر عبد اللـه تايه من قطاع غزة روايته " الباحثون عن الشمس " وزكي العيلة " العطش "، و " الخروج من الصمت " لغريب عسقلاني " ابراهيم الزنط ". لتتوالى بعد ذلك الاصدارات الشعرية والقصصية والروائية في زمن القهر، المستمدة والمستوحاة من معاناة وواقع الشعب الفلسطيني الجاثم تحت الاحتلال.