كنوز نت -  بقلم: علي هيبي


العظماء 6 بلال بن رباح 

إشراقة الولادة وفرح الموت وحرّيّة الإسلام بينهما:


هو "بلال"، أبوه "رباح" وأمّه "حمامة" كانت أمَة لبني "جمح" ولد سنة 42 (ق. ه) في مكّة الحجاز ومات سنة 20 (ه) في دمشق الشام، ما أن شبّ حتّى كان يرعى الغنم لعبدالله بن جدعان الجمحيّ، ويذكر أنّ الرسول (ص) كان وأبا بكر في غار قرب مكّة وقد أدركهما الجوع والعطش، فاقترب راعي الغنم "بلال" ومدّ عنقه فرآهما، فطلب الرسول منه أن يسقيهما حليبًا من غنمه، فقال بلال: "الغنم لابن جدعان ولكنّ لي واحدة منها، فاحتلبها وسقى الرسول وأبا بكر حتّى ارتويا، فأعلمه أنّه الرسول وهذا أبو بكر قد أسلم، وبعد أن عرّفه مبادئ قليلة ومقتضبة أسلم بلال، فطلب منه الرسول أن يكتم إسلامه، ويقال أنّه كان يدخل إلى الكعبة سرًّا ويبصق على الأصنام فانكشف أمره وكان من أوّل سبعة ذاع إسلامهم وهو بعد عبد فسيق إلى العذاب، فكانوا يجعلون في عنقه حبلًا في عزّ الظهيرة وقيظ الهاجرة ويضعون الصخرة على بطنه ليتراجع أو يهلك، فيزيده العذاب إشراقًا وعزّة وثباتًا، وعظم بلاؤه وتضحياته حتّى جعله الرسول (ص) أوّل مؤذّن في الإسلام، تقديرًا له ولحسن صوته وعذوبته، وقد كان المؤذّن يوم فتح مكّة عندما طلب منه الرسول أن يعتلي الكعبة ويؤذّن في الناس واشتهر بلقب "مؤذّن الرسول"، ولم يؤذّن لغير الرسول، فقد طلب منه أبو بكر أن يستمرّ مؤذّنًا فأبى ويقال أنّه مرّة رجوْه أن يؤذّن فلمّا وصل إلى "أشهد أنّ محمّدًا رسول الله" بكى وتوقّف، ولم يؤذّن بعدها إلّا يوم فتح "بيت المقدس" برجاء من "عمر بن الخطّاب" (ر.ض) فبكى وأبكى، وكان عمر أكثر الباكين دموعًا.

كان "بلال" آنذاك وبعد وفاة الرسول، وكان قد شارك معه في الغزوات والمعارك جميعًا، كان يعلم بأنّ أفضل ما يداوم عليه هو الجهاد، فطلب من أبي بكر أن يشارك في الفتوحات والحروب في سبيل الله فأبى أبو بكر راجيًا منه أن يبقى مؤذّنًا، فأبى هو الآخر أن يكون مؤذّنًا لغير رسول الله وفاء منه وإيمانًا بصاحب الدعوة والنبوّة والرسالة العظيمة. فقد قال لأبي بكر: "إن كنت أعتقتني لك فأنا فاعل ما تريد وإن كنت أعتقتني لله فدعني لما أريد" فيقول أبو بكر له: "بل لله يا بلال"، وقد قاتل في الحروب في دمشق ومات في بلاد الشام، ويقال بسبب وباء الطاعون في "عمواس" البلدة الفلسطينيّة المهدومة والمهجّرة اليوم، ويقال أنّه عندما حضرته الوفاة وأحسّ بدنوّ أجله قالت زوجته: "واحزناه"! فرفع رأسه من تحت الغطاء وقال لها مؤنّبًا: "قولي وافرحاه! غدًا نلقى الأحبّة، محمّدًا وصحبه". ويقال أنّ الرسول عندما دخل الجنّة سمع خشفة فسأل جبريل (ع.س): "ما هذا؟ فقال له: هذا بلال يمشي أمامك".

هذا هو بلال الفقير العظيم العزيز أيّها القادة المسلمون والعرب، انتصر على سادة مكّة وأغنيائها وقال أحد هؤلاء فيه: "أنّه مثال يحتذى"، وهو قدوة لكم، فلماذا أنتم تقبلون المهانة والذلّ وبيع الأملاك الوطنيّة والقوميّة والمقامات المقدّسة بثمن بخس!

الأسود الحرّ:

في كثير من الأحيان يعذّب المُعذَّب الصابرُ مُعذِّبَه بالصبر الشجاع ويجعل السجين العنيد سجّانه يفوقه معاناة، وإذا صبر المجلود وتحمّل بجَلَده جَلْدَ الجلّاد فإنّ الجلّاد سيتعب قبله ولن يتحمّل طويلًا، لأنّه يفكّر بالحياة المادّيّة الرخيصة والفانية، أمّا هؤلاء العظماء فلم تخطر الحياة المادّيّة الرخيصة والفانية ببال أحد منهم، بل فكّروا فقط بالحياة المعنويّة الثمينة والباقية والتي تبقي صاحبها حيًّا وخالدًا، لقد كان "بلال بن رباح" ذلك العبد الأسود قبل خمسة عشر قرنًا من الزمان، والذي سيبيضّ وجهه "يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه"، كان يفكّر بالخلود الدائم وليس بالوجود الزائل، فكان وهو يُجلَد ويُعذّب أكثر حريّة من جلّاده "أميّة بن خلف" الذي كان يستجديه كلمة واحدة من كلمات الكفر بالإسلام، ويعلّل نفسه بأمانٍ كاذبة في أنّه لن يأتي اليوم التالي وإلّا بذلك العبد "الآبق" سيكون ميّتًا أو كافرًا بمحمّد من شدّة العذاب، ولم يمت بلال الحرّ ولم يكفر بمحمّد، بل ظلّ على كفره بالعبوديّة ونظامها القبليّ وجاهليّة عاداتها وظلم أسيادها واستكبارهم، وتشاء الظروف أن يكون هذا العبد الحبشيّ الأسود العظيم أطول حياة وأخلد ذكرًا من سيّده ومعذّبه "أميّة بن خلف"، بل أكثر من ذلك، يشاء التاريخ والأحداث أن يكون "بلال" العبد هو قاتل سيّده يوم غزوة "بدر"، أوّل انتصار للمستضعفين والعبيد المساكين في مكّة على أسيادهم، ويكون بلال أشهر مقاتل فيها وفي غيرها من غزوات الرسول، وكان "أميّة" يظنّ ظنّ السوء بأنّ العبد لن يقوى على الثبات في الدين الثائر على أمجاده الزائلة وعلى زعماء القبائل السادرين في غيّهم وظلمهم الاجتماعيّ، لكنّ "بلال" الحرّ والعنيد في الحقّ أبى وردّد كلمته وموقفه وعظمته "أحد ..أحد" وانتصر بالصبر والإيمان والموقف البطوليّ.

أَحَد .. أَحَد:

لو قلنا أنّ حياة بلال ملحمة بطوليّة لصحّ القول، ولكنّ بطلها ليس من الآلهة وليس من أنصاف الآلهة، بطل من الناس البسطاء والمسحوقين الذين صنعوا مجدهم السامي وخلودهم الأبديّ الخارق بصمودهم البطوليّ أمام الجبروت والعذاب، وإذا كانت الملاحم تنطوي على خوارق تكسر العاديّ من الأمور فإنّ عبارة "أحد .. أحد" التي كان يردّدها خارقة لفظيّة كان لها وقع السحر والأثر القادر على قلب الحال رأسًا على عقب، فهذه الكلمات القليلة تذكّر بِ "افتح يا سمسم" في قصّة "علي بابا"، فما أن تقال حتّى ينشقّ الجبل عن كنوز الذهب والياقوت، مع عدم التشبيه بين العبوديّة الخارقة في الله وبين اللصوصيّة المنافية لتعاليم الله والإنسان، "أحد .. أحد" يعلنها بلال ثباتًا على الموقف العظيم فتجعل الشمس الحارقة بردًا وسلامًا كنار إبراهيم على جسده وتجعله يحسّ بالرمضاء فراشًا وثيرًا على ظهره والصخرة الرابضة فوق صدره ككتلة من قطن خفيف وناعم، والأهمّ تبقى "أحد .. أحد" الخارقة تخترق وجدان المعذَّبين الطغاة، ليرجوا ويستجدوا من "بلال" المعذَّب: "قل كلمة! العن محمّد! اكفر بالأسلام! اذكر آلهتنا بخير" فيبقى الإيمان مشعشعًا بالبطولة وَ "أحد .. أحد" فيثير حفيظتهم ويقول: "واللهِ لو أعلم كلمة تثير حفيظتكم أكثر منها لقلتها". وجاء على لسان المعذَّب ابن أسرة المعذَّبين المبشّرين بالجنّة "عمّار بن ياسر" وهو تحت التعذيب، وقد عُذِّب أبوه "ياسر" وأمّه "سميّة" حتّى ماتا أمام عينيْه، فذكر آلهة "أبي جهل" بخير وبكى وندم واعتذر للرسول فقال الرسول: "اصبروا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنّة"، قال عمّار بحقّ بلال وأفضليّته وتميّزه: "كلّ من المعذَّبين والمستضعفين قد قال ما أراد المشركون إلّا بلال" وكان "ورقة بن نوفل" خال "خديجة بنت خويلد" زوجة الرسول الأولى وأولى النساء اعتناقًا للإسلام وسند النبيّ الأوّل، وكان "ورقة" من الحنفاء يمرّ على "بلال" وهو تحت التعذيب وهو على موقفه وكلمته "أحد .. أحد" فيردّد وراءه "أحد .. أحد" واللهِ يا بلال! ويقول لأميّة بن خلف وهو يعذّبه: "أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتّخذنّه حنانًا"، فمن منّا كأناس طبيعيّين نطلب الحريّة وكمنتمين إلى أمّتنا وعروبتنا وثقافتنا ونرفض الضيم لا يتأثّر بهذه المواقف أو لا يتعلّم من هذه البطولات!

سابق الحبشة:

هذا هو بلال العظيم، والذي يكمن سرّ عظمته في بساطته وتواضعه ورفضه لعبوديّته، إنّه المثال والنموذج للعبد الذي لا يزيّن عبوديّته بل يرفضها، وكان يقول بعد إسلامه عندما يسمع تعظيمًا لبطولته أو تبجيلًا لمواقفه: "إنّما أنا حبشيّ كنت بالأمس عبدًا"، هذا "بلال" البسيط الذي اشتراه "أبو بكر الصدّيق" (ر ض) بسبع أوقيّات من الذهب، بعد أن يأس من موته وتراجعه عن الإسلام "أميّةُ بن خلف" فوافق أبا بكر على ثمنه وقال: "واللات لو دفعت أوقيّة واحدة لبعتك إيّاه"، فيجيب أبو بكر بشعور من العزّة والفخر والكسب المعنويّ العظيم: "واللهِ لو طلبت مئة أوقيّة من الذهب ثمنًا له لدفعتها لك" وهكذا خاب "أميّة" فلا ربح "بلال" ولا المال، وأعتقه أبو بكر حسنة من حسناته الجليلة وخدمة من خدماته الجسيمة للإسلام، وفي ذلك قال "عمر بن الخطّاب": "هذا سيّدنا بلال حسنة من حسنات أبي بكر، وأبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا".

وكان على بساطته وتواضعه في مكانة عالية عند الرسول والصحابة، وهو أوّل من أسلم من العبيد متحدّيًا خطورة هذا الانتماء والطريق الشائك في الدنيا، وهو من أوّل سبعة جاهروا بإسلامهم وهو ما يزال عبدًا لبني "جُمح"، فكان الخامس بعد الرسول وأبي بكر وعمّار بن ياسر وأمّه سميّة وبلال وصهيب والمقداد، وفي حديث لأنس بن مالك خادم الرسول قال: كان بلال سابق الحبشة وسلمان سابق الفرس وصهيب سابق الروم وأنا سابق العرب"، وفي حديث نبويّ يشير إلى مكانة العبد "بلال" يقول (ص): "سادة السودان أربعة لقمان والنجاشيّ وبلال ومهجع". هذا هو العبد الأسود الحبشيّ الفقير يسعى في الجنّة أمام الرسول، فهل بقي هنالك فضل لسيّد على عبد أو لعربيّ على حبشيّ أو أعجميّ، أو لأبيض على أسود أو أصفر أو لغنيّ موسر على فقير مدقع! ألا يكون لنا هذا الأسود كالليل نبراسًا يرينا النور فنبصر طريقنا نحن العرب والمسلمين إلى العزّة والحريّة والكرامة التي علّمنا إيّاها سقراط الحكيم ويسوع المسيح ومحمّد النبيّ العربيّ! ألا يكون هذا البلال إنعاشًا لإحساسنا الذاوي المصفرّ كاصفرار مريض وإحياء لأرواحنا التي أشرفت على الموت احتراقًا!