كنوز نت - د. منعم حدّاد


أوراق قديمة "ديموكتاتورية" وياسمين وبنفسج! 


عندما كتب نيقولا ميكيافيلي، السياسي الأديب الإيطالي الذي عاش في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر كتابه "الأمير" الذي كرّس فيه الأسلوب القائل أن "الغاية تبرّر الواسطة" ربما لم يخطر بباله أبداً أن هذه "القاعدة" ستصبح نهجاً سياسياً يعتنقه الكثيرون من المتربعين على كراسي الحكم و"سُدَد" الزعامة حتى ولو لم يعلنوا ذلك أو يعترفوا باعتناقه صراحة! 

واشتعل بعد عصر ميكيافيلي بحوالي قرنين ونصف القرن أوار نيران الثورة الفرنسية التي يعتبرها المؤرخون بداية العصر الحديث، وفجر الحرية والديمقراطية، لما حملته على أجنحتها من بشائر الحرية والإخاء والمساواة!
وتبلورت فكرة الحكم الديمقراطي الكلاسيكية التي بدأت لدى الإغريق القدماء في ثلاث سلطات تحكم وتدير شؤون الدولة، وهي السلطة التشريعية التي تشرع القوانين، والسلطة التنفيذية التي تنفّذ ما شرعته السلطة التشريعية، والسلطة القضائية التي تقاضي وتعاقب وتحاسب الخارجين على القوانين ومخالفيها!

والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية، حيث أنها تستمد صلاحياتها مما توكله لها وتكلفها به من مهام تلقيها على عاتقها، والسلطة التشريعية يجري انتخابها مباشرة من قبل الشعب، في انتخابات دورية حرة ومتساوية، وهذا ملخص الحكم الديمقراطي، أي حكم الشعب، فالشعب هو الحاكم الأعلى، فإذا ما خيّب منتخبوه (بفتح الخاء) آماله أو حادوا عن السبيل الذي يريده الشعب لهم، أطاح بهم في الانتخابات التالية!
* * *

ويبدو أن هذه الأسس السامية للحكم أخذت تتلاشى في العقود الأخيرة، ويخيل للمرء أنها هرمت وشاخت وتبخرت ولم يبق منها الكثير، كما تشير دلالات الأحداث المعاصرة...

فما أن يتسلم أحدهم مقاليد الحكم ويتربع على سدّته حتى ينسى الديمقراطية والديمقراطيين، وتتماهى عنده المصلحة العامة مع مصالحه الشخصية، فيحيط نفسه بحاشية من المستشارين والأعوان والخدم والحشم، وسرعان ما تسدّ هذه الحاشية عنه الأفق وتحجب النظر، فيعيش في قصر منيف أو برج عاجي وفي عزلة شبه تامة عن الواقع وعن الشعب الذي يحسب نفسه أنه يخدمه ويرعى شؤونه ومصالحه، بعد أن زيّن له المقربون الأمور وزوروها وزيّفوها، فيعيش في واد والشعب في واد آخر.

ويكبر كرش المتربّع على سدة الحكم، بغض النظر إن كان حاكماً جليلاً عظيماً أو رئيس هيئة صغيرة هزيلة لا تذكر ولا تحسب، ويكبر كرشه لكثرة ما يحشو به وبجيوبه من مال الشعب ومقدراته وخيرات البلد، فيحجب كرشه عنه النظر، وينسى ويتناسى هذا الحاكم الشعب الذي أوصله إلى سدّة الحكم، أو على الأقل رضي به حاكماً لفترة من الزمن، ويحسب أن الحكم ملك من أملاكه الخاصة، "يبيع ويشتري به"، وفي أحسن الأحوال لا يفطن لوجوده، ويروح يسعى ويعمل ليل نهار ليستأثر بالحكم ويبقيه في ذريته وأهله وأعوانه، ضارباً عرض الحائط بكل مصلحة سوى مصلحته الشخصية هو ومن لفّ لفّه، ويحوّل الديمقراطية إلى ديموكتاتورية، بل إلى دكتاتورية مقنّعة!

ويستمرّ الوضع يسير من سيء إلى أسوأ، إلى أن يفوح عبق الياسمين، أو ينتشر شذى البنفسج، ومن ثمّ يتحول الياسمين والبنفسج إلى أشواك البلان والعوسج، ويثور الشعب و"يسحله" أو يلقي بزعيم كهذا في مزابل التاريخ!

* * *
ورحم الله أبا القاسم الشابّيّ الذي قال في حينه:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بدّ أن يستجيب القدر!
ومن منا لم يتعلم ويحفظ عن ظهر قلب بيته هذا الذي أصبح شعاراً ونبراساً يتغنى به ويردّده جميع الأحرار والمكبوتين والحالمين بالحرية والاستقلال وكسر نير العبودية وربقة الظلم وعلى على مدى السنين والعقود؟
من شبه المؤكد أن أبا القاسم الشابي الذي قضى نحبه وهو في ريعان الشباب لم يخطر بباله أن يصبح بيته هذا ملهم ثوار السلم ومحطمي أغلال الذلّ وقيود الاستبداد وسجون الطغيان، وأغنية الحياة الأولى لطالبي الحياة في كل حدب وصوب!

وكأني بأهل تونس الخضراء قد استجابوا ولو بعد قرن من الزمان ما قاله أبو القاسم الشابي، فطبّقوه قولاً وعملاً، وأطاحوا بالنظام السابق الفاسد الذي سامهم الخسف والذلّ على مدى سنين حتى هرب رموزه كالفئران!
* * *
وكثيراً ما يتساءل المشاهد للفضائيات العربية المختلفة إلى أيّ مدى يعكس ما تبثّه هذه الفضائيات حقيقة الأوضاع في الوطن العربي الكبير، من المحيط إلى الخليج!

فهل تسير حياة عشرات ملايين العرب على منوال ما تبثّه الفضائيات؟
هل العرب فعلاً منغمسون في رغد العيش والبذخ والترف واللهو والاستمتاع؟
أليس لديهم مشاكل سوى الأفلام والمسلسلات والمسابقات ومباريات المعلومات العامة وفنون الطهي والطبخ وسواها؟
عندما يحسب المرء أن ما يبثّونه يصوّر الواقع يصاب بيأس ويقنط من العرب والعروبة ويندب حظّه لانتمائه لمثل هذه الشعوب كما تعكس صورتها الفضائيات!

ولا يكاد المرء يقنط حتى تفوح رائحة الياسمين وينشر البنفسج شذاه!
ويحطمّ التونسيون الأغلال، ويثور النيل ليجرف الموبقات!
وإن نجح الياسمين في تعطير الجوّ والقضاء على العفن كما يبدو حتى كتابة هذه السطور، فالبنفسج ما زال في مهب الريح والعاصفة لما تبلغ ذروتها ولم تهدأ بعد!

ويقف المرء مترقباً مشدوداً لكل خبر لعله يستكشف المستقبل ويستشرفه!
ويتخوّف من أن يكون الآتي أسوأ من الذاهب، تماماً كما يحدث في بعض الـ"مؤسسات" هنا!
ويظلّ يردد منتظراً الفجر الطالع، ينتظر "الأخبار ممّن لم يزود"، لعله يعود إليه الأمل والثقة في عظمة العرب وأمجاد العروبة!