كنوز نت - بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس | رئيس الحركة الإسلاميَّة


دماء المظلومين تستصرخ الكون كلَّه



 بالأمس ضاق محمد بوعزيزي ذرعاً من شظف العيش والمهانة ، فأحرق نفسه في قرية سيدي بو زيد التُّونسيَّة ، تحرَّكت مشاعر الشَّعب التُّونسيِّ ، فخرج النَّاس للتَّظاهر . من القرية إلى المدينة ، ثمَّ العاصمة فالعواصم العربيَّة تباعاً ، وتحرَّك في المحصِّلة ملايين العرب عبر سجنهم الكبير ، أو عالمهم العربيِّ . أشعلوا ثورةً ، أسقطوا أنظمةً ، أحيوا أملاً ، وحرَّكوا مارداً كان لعقودٍ نائماً .

ورغم إنقلاب الدَّولة العميقة ، ممثَّلةً بالمنافقين والنَّفعيِّين وعملاء الإستعمار ، على ثورات الرَّبيع العربيِّ ، وأحسب أنَّ السَّبب الأساس لإجهاض الثَّورات ، هو الهيمنة الصُّهيوأمريكيَّة على المنطقة . فلعلَّ الزَّمان يتغيَّر ، ومعه تتغيَّر الأحوال ، فيكون المستقبل لشتاءٍ ماطرٍ ، ربيعٍ زاهرٍ ، وحصادٍ مبارك ." وما ذلك على الله بعزيز " .

من سيدي بوزيد إلى منيابوليس


 قتلت الشُّرطة الإسرائيليَّة مصطفى يونس على مشارف المستشفى في تل أبيب ، وقتلت إياد الحلَّاق في جنبات المسجد الأقصى في القدس ، وكلاهما ذوي إحتياجاتٍ خاصَّة ، فلم يتحرَّك الضَّمير الإسرائيليُّ ، لأنَّه أدمن الإجرام فلم تعد تحرِّكه جريمةٌ أخرى أو جريمتان .

في مدينة منيابوليس الأمريكيَّة ، قتل شرطيٌّ أمريكيٌّ مواطناً أسوداً ، كان تحت سيطرة الشُّرطة ، ولا يهدِّد حياة أفراد الدَّوريَّة . تظاهر المواطنون في المدينة ، ثمَّ في سائر الولايات الأمريكيَّة ، خرج الملايين في تظاهراتٍ جابت أرجاء الولايات المتَّحدة ، دمَّروا ، نهبوا ، طوَّقوا البيت الأبيض ، ألجؤوا ترامب إلى مخبئه السِّرِّيِّ ، ألزموا القضاء الأمريكيَّ برفع دعوى بالقتل ضدَّ الشُّرطيِّ ، وقد تطال زملاءه المرافقين ، ولم تهدأ التَّظاهرات ، رغم نزول آلاف أفراد الجيش الأمريكيِّ إلى الشَّوارع .

الخلاصات :


من ينتظر يقظة ضميرٍ في أمريكا وحليفاتها وأنظمة الأذناب التَّابعين لها ، فسيطول إنتظاره ، وهي يقظةٌ تتناقض مع نظرة الإستعلاء والهيمنة الغربيَّة ، ضدَّ الأجناس والأعراق الأخرى .

لا يأتي الحقُّ إلَّا غِلابا ، وقديماً قالوا : " الطَّلبُ الهيِّن يضيِّع الحقَّ البيِّن " . وما لم يعد العرب ليحرِّكوا كلَّ جماهيرهم ، في كلِّ بلدٍ تنتهك فيه حقوقهم وحرِّيَّاتهم ، فسيصدق الشِّعار الَّذي نسبه البعض للمتظاهرين السُّود في أمريكا ( وإن كنت أظنُّه مفبركاً ) : " لسنا عرباً حتَّى تقتلونا ونصمت " .


لن يتغيَّر شيءٌ جدِّيٌّ في هذا العالم ، حتَّى تضعف هيمنة أمريكا ، القطب الأوحد المحكوم بالكامل للُّوبي الصُّهيوني . ومن كان يظنُّ أن ذلك لن يحدث ، فها هو النِّصف الأوَّل وحده من العام 2020 ، يشهد الكورونا ، والمظاهرات ضدَّ العنصريَّة ، الَّتي تضرب أمريكا وتهزُّ كيانها ، والحبل عالجرَّار .

لا نبالغ في التَّوقُّعات ، ولكن ينبغي أن نرصد المتغيِّرات . فكما قالوا العالم بعد كورونا لن يكون كما كان قبله ، فلعلَّ أمريكا بعد مقتل جورج فلويد لا تكون كما كانت قبله .

أمَّا في بلادنا ، فالضَّرب الإسرائيليُّ على العصب الفلسطينيِّ مستمرٌّ ، واستفزاز مشاعر العرب والمسلمين ، وتحدِّي كلِّ قِيَمهم ، وثوابتهم ومقدَّساتهم ، لا يتوقَّف . فإمَّا أن يقف العرب لقضاياهم المصيريَّة ، وإمَّا أن ينتظروا سّنَّة الإستبدال . فكما استبدلهم الله بصلاح الدِّين الكرديِّ ، والسَّلاجقة الأتراك ، ومن قبلهم البربر في المغرب العربيِّ والأندلس . فلا تستغربوا أن يقيِّض الله لأقدس قضايانا قوماً آخرين أولي بأسٍ شديدٍ :

 " وإن تتولَّوا يستبدل قوماً غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم " .

حفظ الله قدسنا وأقصانا من كيد الكائدين ، ومن تواطؤ الخائنين .

حفظ الله بلادنا من صفقات الخبث والخديعة .

وحفظ الله المخلصين والصَّادقين من علمائنا وقياداتنا من ظلم ذوي القربى ، ومن قهر الغرباء والمعتدين .

" والله غالبٌ على أمره ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون" .